تشهد الساحة السياسية التركية في الآونة الأخيرة حراكاً مكثفاً يتعلق بمساعي حل القضية الكردية، وهو ملف يُعد الأكثر حساسية وتعقيداً في تاريخ تركيا المعاصر.
وفي هذا السياق، يطرح المحلل السياسي التركي أمره أوسلو، في قراءة تحليلية معمقة عبر موقع يوتيوب، يتساءل فيها عما إذا كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يواجه اليوم خطراً وجودياً يُشابه السيناريو الذي أنهى حياة الرئيس الراحل تورغوت أوزال في مطلع التسعينيات.
وتكتسب هذه القراءة زخماً استثنائياً في ضوء التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الصحفي التركي البارز جنكيز تشاندار، المستشار السابق لأوزال، والنائب الحالي من صفوف الحزب الكردي، والتي حذر فيها بصيغة دبلوماسية من “مخاطر صحية” قد تهدد الفاعلين الأساسيين في عملية التسوية الجارية. وبحسب أوسلو، فإن هذا التحذير لا يشير إلى اعتلالات صحية طبيعية، بل يُعد إشارة مشفرة لعمليات تصفية أو مؤامرات تهدف إلى إجهاض مسار السلام مع الأكراد.
سياق عام ١٩٩٣: مبادرة أوزال المغدورة والسموم الأربعة
يعود أمره أوسلو بالذاكرة إلى عام ١٩٩٣، حينما كان الرئيس تورغوت أوزال يقود مساعي حثيثة لإنهاء الصراع مع حزب العمال الكردستاني بالتعاون مع زعيم الحزب عبد الله أوجلان. وكان جنكيز تشاندار هو الوسيط الرئيسي والقائم بالدبلوماسية المكوكية بين أنقرة وشمال العراق وأوجلان وبتنسيق كامل مع جهاز الاستخبارات الوطني التركي.
وقد تلخصت ملامح خطة أوزال للتسوية في النقاط التالية دون تبويب رقمي:
* العفو الشامل عن الكوادر الدنيا في حزب العمال الكردستاني وتسهيل عودتهم.
* دمج القيادات العليا للحزب في الحياة السياسية والمدنية تدريجياً خلال فترة خمس سنوات بعد صدور العفو عنهم.
* صياغة هذا الإطار في رسالة رسمية تم إطلاع رئيس الوزراء آنذاك سليمان ديميريل عليها.
إلا أن هذا المشروع الطموح لم يكتب له النجاح؛ فبعد ٣٦ ساعة فقط من صياغة هذه التفاهمات، توفي الرئيس أوزال في ظروف غامضة للغاية أُرجعت رسمياً حينها إلى نوبة قلبية. ويرى أوسلو أن الشكوك ظلت تحوم حول الحادثة حتى تم فتح القبر لاحقاً بضغط شعبي وحقوقي، ليكشف تقرير الطب الشرعي عن وجود أربعة أنواع مختلفة من السموم في جسد الرئيس الراحل.
وفي كشف مثير ومؤسس على مصادر قريبة من تلك الحقبة، يؤكد أمره أوسلو أن رجب طيب أردوغان تدخل شخصياً بتوجيهات مباشرة لمسؤولي معهد الطب الشرعي لإغلاق هذا الملف وطمس نتائج التقرير التي تؤكد تعرض أوزال للتسميم. ويعزو أوسلو هذا التستر التاريخي إلى صفقة سياسية عقدها أردوغان في ذلك الوقت مع تنظيم “إرغنيكون” (الدولة العميقة) الذي يُعتقد على نطاق واسع أنه يقف وراء تصفية أوزال.
البعد الجيوسياسي لعام ١٩٩٣ مقابل الواقع الراهن
يقارن أمره أوسلو بين البيئة الدولية والإقليمية التي أحاطت بمحاولة أوزال وتلك التي تحيط بأردوغان اليوم، موضحاً كيف تتقاطع المصالح الكبرى لحصار تركيا أو إطلاق يدها:
المشهد الدولي في عام ١٩٩٣:
جاءت مبادرة أوزال بعد نحو ١٦ شهراً فقط من انهيار الاتحاد السوفيتي، في وقت كانت فيه روسيا تعيش أزمة اقتصادية خانقة تحت حكم بوريس يلتسين وجهاز الاستخبارات الروسي (KGB) في حالة ذهول. وسعى أوزال لاستغلال الفراغ عبر جولة آسيوية لمد النفوذ التركي “من الأدرياتيكي إلى سور الصين العظيم”. وخلال حقبة الحرب الباردة، كانت تركيا مجرد مخفر أمامي للناتو، بينما استُخدمت القضية الكردية كورقة ضغط سوفيتية عبر دعم نظام أسد الأب لأوجلان في سوريا. ومع تداعيات حرب الخليج الأولى عام ١٩٩١ وفرض حظر الطيران شمال خط العرض ٣٦ لحماية الأكراد بواسطة الطيران الأمريكي والبريطاني من قاعدة إنجرليك، انتقل الثقل العملياتي لحزب العمال الكردستاني من سوريا إلى الفراغ الأمني في شمال العراق. وحينما أعلن أوجلان وقف إطلاق النار في ١٧ مارس ١٩٩٣، بدا أن التسوية وشيكة، لكن اغتيال أوزال في ١٧ أبريل ١٩٩٣ أطاح بكل هذه الترتيبات.
المشهد الجيوسياسي الراهن والتطورات السياقية الأخيرة:
في المقابل، يرى أمره أوسلو أن التوازنات الحالية تبدو معكوسة ومماثلة في آن واحد؛ فالجبهة الشمالية لتركيا تشتعل بالحرب الروسية الأوكرانية وسط تراجع للمكانة الروسية واضطرار أنقرة لتقديم دعم عسكري غير مباشر لأوكرانيا بضغط أمريكي. أما الجبهة الجنوبية فتشهد تغيراً راديكالياً في البنية السياسية السورية تمثل في انحسار النفوذ الروسي وحلول النفوذ الأمريكي مكانه، تزامناً مع تحركات استراتيجية إسرائيلية جديدة.
بينما كان النفوذ التركي يتمدد في التسعينيات من الشرق إلى الغرب، فإنه يتجه اليوم من الشمال إلى الجنوب. ويتجلى ذلك في حل أزمة إقليم “قره باغ” بين أذربيجان وأرمينيا، واقتراب تشغيل ممر “زنغزور” الاستراتيجي الذي سيربط تركيا بوسط آسيا وأذربيجان وكازاخستان جغرافياً. وتزامن ذلك مع الانسحاب الأمريكي التدريجي من المنطقة، مما يضع تركيا والسعودية كقوى قيادية شريكة لإدارة الفراغ، وهو أمر يتقاطع سلباً مع مصالح أطراف دولية ثلاثية تشمل إسرائيل وروسيا والصين.
أدوات العرقلة واختراق الدولة العميقة
يوضح أمره أوسلو أن هناك شبكة من المصالح المشتركة تجمع القوى الإقليمية الرافضة للصعود التركي بوكلائها الداخليين في أنقرة. ويشير أوسلو بأصابع الاتهام مباشرة إلى التيار “الأوراسي” و”القومي المتطرف” الذي يقوده دوغو برينجك وتنظيم “إرغنيكون” كذراع محلي ينفذ أجندات تخدم مصالح موسكو وتل أبيب وبكين.
ويستند أوسلو في تحليله لتاريخ هذه الشبكات إلى معطيات ملموسة:
تفكيك اليسار التاريخي: خلال السبعينيات والثمانينيات، تلاعبت أجهزة الاستخبارات الغربية والتركية باليسار التركي لتقسيمه وعرقلة الثورة الشيوعية السوفيتية، حيث دُعم اليسار الماوي بقيادة برينجك (حركة أيدينليك) لمواجهة الفصائل الستالينية الموالية لموسكو، بالتوازي مع اختراق ودعم يسار أوجلان الكردي لإحداث توازنات أمنية عميقة.
محاولات اغتيال أوزال السابقة: تعرض أوزال لمحاولة اغتيال فاشلة عام ١٩٨٨ نفذها كارتال ديميراغ في مؤتمر حزب الوطن الأم، وحاول برينجك لاحقاً التغطية عليها بتقديم شهود زور يتبنون العملية لتشتيت التحقيق، ما يؤكد تورط أجنحة الدولة العميقة في محاولات تصفيته المتكررة.
تصفية تيار السلام: قبل اغتيال أوزال، قامت هذه المجموعات باغتيال مستشار ومستودع أسرار أوزال، رئيس الاستخبارات الأسبق (الذي وُصف بأنه أمير أوزال المقرب) لدوره في السعي لحل سياسي كردي.
استراتيجية “صناعة الفوضى” الممنهجة: نموذج عام ١٩٩٣ الدامي
يستعرض أمره أوسلو في تحليله تفاصيل الانقلاب الأمني الذي قادته الدولة العميقة عام ١٩٩٣ لإغلاق نافذة السلام وإعادة توجيه البوصلة التركية نحو الخط القومي المتشدد عبر سلسلة من الجرائم المنسقة:
مجزرة الجنود الـ ٣٣: بعد شهر واحد فقط من وفاة أوزال، وتحديداً في ٢٤ مايو ١٩٩٣، قامت مجموعة من مسلحي حزب العمال الكردستاني بقيادة شمدين صاكيك بقطع طريق بينغول – إلازيغ وتصفية ٣٣ جندياً تركياً غير مسلحين. ويكشف أوسلو عن تواطؤ أمني مريب وإهمال حكومي فادح تمثل في نقل هؤلاء الجنود في حافلات مدنية دون حراسة أو مرافقة عسكرية في منطقة تخضع لحالة الطوارئ، مما جعلهم كبش فداء لمؤامرة مشتركة بين أطراف عميقة في الدولة وقيادات متمردة لضرب مسار السلام الكردي.
مجموعة “مالاطيا” وانقلاب شباط: يقف وراء هذه الترتيبات الأمنية ضباط موالون لروسيا تغلغلوا في الجيش منذ السبعينيات، عُرفوا باسم مجموعة “المالاطيين” والذين قادوا لاحقاً انقلاب ٢٨ فبراير ١٩٩٧ “ما بعد الحداثي” بالتعاون مع فريق دوغو برينجك.
الحرائق والاغتيالات المتتالية: عقب مجزرة الجنود، اشتعلت الفتنة الطائفية عبر إحراق الفندق الذي يضم مثقفين علويين في سيواس (مجزرة مادماك)، وتلتها مجزرة باشباغلار ضد المواطنين السنة للإيقاع بين الطرفين. كما تم إسقاط طائرة قائد قوات الجندرمة أشرف بيتليس (الموالي لمشروع السلام لأوزال)، واغتيال الكاتب الصحفي أوغور مومجو بعبوة ناسفة بعد اقترابه من كشف خيوط العلاقة السرية بين حزب العمال وبؤرة عميقة داخل جهاز الاستخبارات التركي.
تحول العقيدة التركية تجاه إسرائيل بعد غياب أوزال
يقدم أمره أوسلو قراءة لافتة في التحول الجذري لسياسة تركيا الخارجية بعد تغييب أوزال؛ إذ كان أوزال يتبنى سياسة توازن دقيقة وحيادية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي. ففي عام ١٩٩١، رفع تمثيل تركيا الدبلوماسي مع إسرائيل إلى مستوى السفراء، وبشكل متزامن، اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كدولة رسمية ورفع مستوى التمثيل معها إلى سفارة أيضاً.
لكن بمجرد إزاحة أوزال، تم الانقلاب على هذا التوازن.
* في عام ١٩٩٤، وقعت تركيا اتفاقية تعاون أمني كبرى مع إسرائيل.
* آلت صفقات تحديث الطائرات التركية من طراز F-4 وتأهيل الدبابات بالكامل لصالح الشركات الإسرائيلية بشروط مجحفة للسيادة الوطنية.
* تم إهمال القضية الفلسطينية رسمياً والتحول نحو الدعم المطلق لتل أبيب.
ويرى أوسلو أن القوة الحقيقية الموالية لإسرائيل في تركيا ليست النخب الليبرالية أو المؤيدة للغرب والديمقراطية كما يروج الإعلام المحافظ، بل هم جنرالات “إرغنيكون” والمنظرون الأوراسيون. ويستشهد ببرقية مسربة للموساد الإسرائيلي تعود لعام ٢٠١٢ تكشف أن العسكريين الذين تم تسريحهم وتفكيك شبكاتهم في قضايا إرغنيكون كانوا شركاء استراتيجيين للاستخبارات الإسرائيلية، وهم ذاتهم من وقعوا اتفاقيات ١٩٩٤ الأمنية وبكوا عند حائط البراق في القدس المحتلة تحت غطاء شعارات القومية والأوراسية المضللة، في إشارة إلى رئيس هيئة الأركان آنذاك إيلكر باشبوغ.
سيناريو أردوغان: هل يتكرر مصير أوزال؟
بناءً على هذه المعطيات التاريخية والجيوسياسية المتشابكة، يقيم أمره أوسلو مدى جدية التهديدات التي تحيط بالرئيس رجب طيب أردوغان اليوم، فرغم أن موقف أردوغان الداخلي وقبضته على السلطة تبدو أقوى بكثير مما كانت عليه سلطة أوزال في التسعينيات، إلا أن الخطر ما زال قائماً بقوة. فالأطراف العميقة الموصوفة بـ”القتلة المحترفين” والذين لم يترددوا في تصفية رئيس جمهوريتهم بالتسميم وقتل مفكرين وكتاب يخدمون أجنداتهم (مثل هابلميت أوغلو وأوغور مومجو) لا يزالون يحتفظون بنفوذ وخلايا نشطة داخل بنية الجيش وجهاز الاستخبارات الوطني.
ورغم أن أردوغان استمال إلى المعسكر الأوراسي (روسيا والصين وإيران) في العقد الثاني من حكمه، إلا أن التحالف المؤقت بينه وبين هذه الشبكات “الأوراسية” مهدد بالانهيار التام مع تحول العقيدة الجيوسياسية التركية وتمدد نفوذها إقليمياً. ومن هنا، يكتسب تحذير جنكيز تشاندار وزنه الحقيقي؛ حيث يرى تشاندار أن الضمان الوحيد لاستقرار عملية السلام الكردية الحالية وحمايتها من التخريب الخارجي والداخلي يكمن في الحفاظ على سلامة وحياة الأقطاب الثلاثة الممسكين بزمام المبادرة: رجب طيب أردوغان، ودولت بهتشلي، وعبد الله أوجلان. وأي مساس بحياة أو صحة أحد هؤلاء القادة عبر “مؤامرة صحية” أو عملية اغتيال غامضة سيكون بمثابة الصاعق الذي يفجر عملية التسوية ويعيد تركيا إلى دوامة العنف الممنهج وصناعة الفوضى العميقة مجددا.

