شهدت الأوساط الإعلامية والسياسية في تركيا تطورات متسارعة مع اتساع نطاق التحقيقات التي تجريها النيابة العامة في إسطنبول بشأن شبكة إعلامية مقربة من الدوائر الحكومية؛ حيث طالت مذكرات التوقيف وجوهاً إعلامية بارزة ورجال أعمال، وسط اتهامات جنائية ثقيلة تشمل تبييض الأموال وتسهيل الدعارة والابتزاز.
اختفاء غامض ومذكرات توقيف دولية
أصدر الادعاء العام في إسطنبول مذكرات توقيف بحق ثلاثة أشخاص مرتبطين بالملف، وهم إسماعيل تشاناك، الموظف في قناة “بياض تي في” القريبة من رئيس بلدية أنقرة الأسبق مليح غوكشيك من الحزب الحاكم، ورجل الأعمال سيردار أوزيورت، والصحفية أحسن ملك كوجا تورك.
وتشير تفاصيل ملف التحقيق إلى أن تشاناك وأوزيورت قد اختفيا في ظروف غامضة وتواريا عن الأنظار بعد أن تركا هواتفهما المحمولة داخل منازلهما لتجنب التعقب الجغرافي والأمني، في حين تبين أن الصحفية كوجا تورك غادرت الأراضي التركية وتتواجد حالياً في الخارج. وتأتي هذه التطورات في وقت تتبع فيه قناة “بياض تي في” ملكيتها لعضو البرلمان عن حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة، عثمان غوكشيك، نجل مليح غوكشيك.
اتهامات تتجاوز العمل الإعلامي إلى الجريمة المنظمة
في مسعى لكشف كامل خيوط الشبكة، يتجه القضاء التركي للاستماع إلى أقوال متهم آخر يُدعى جيم دومان بصفته مشتبهاً به في القضية، علماً بأنه موقوف حالياً على ذمة قضية أخرى منفصلة.
وقد طرأ تحول جذري على لائحة الاتهامات الموجهة للمتهم الرئيسي في القضية، الإعلامي جيم كوتشوك؛ فبينما بدأت التحقيقات باتهامه بـ”الابتزاز” و”نشر معلومات مضللة وكاذبة للعامة علناً”، أضاف الادعاء العام اتهامات أكثر خطورة تتمثل في “تبييض الأموال الناتجة عن الجريمة” وتسهيل “الدعارة“.
ويرتبط هذا المسار بوقائع سابقة تضمنت توقيف مقدم البرامج في قناة “بياض تي في”، طاهر ساريكايا، بتهمة الابتزاز، بعد أن كشفت التحريات عن وجود تدفقات مالية ضخمة ومجهولة المصدر تجري بينه وبين كوتشوك بشكل يثير الريبة.
تقرير مالي رسمي يكشف المستور: حسابات بنكية مريبة
وضعت هيئة التحقيق في الجرائم المالية بتركيا (MASAK) الحسابات البنكية للإعلامي جيم كوتشوك تحت مجهر التدقيق لفترة ممتدة بين عامي 2019 و2026. وكشف التقرير المالي الرسمي عن تدفقات نقدية ضخمة لا تتناسب مع النشاط المهني للمشتبه به كصحفي يتقاضى أجراً شهرياً.
وقد أظهر الفحص المالي التفصيلي المؤشرات التالية:
- بلغت القيمة الإجمالية للأموال الواردة إلى حسابات كوتشوك خلال الفترة المذكورة ما يزيد عن خمسة وثلاثين مليوناً ومئة واثنين وثلاثين ألف ليرة تركية، في حين اقتصرت المبالغ الخارجة من حساباته على نحو سبعة ملايين واثنين وخمسين ألف ليرة تركية.
- رصد التقرير أن الجزء الأكبر من المدخلات المالية، والذي يُقدر بأربعة عشر مليوناً وأربعمئة وأربعة وسبعين ألف ليرة تركية، نجم عن عوائد ودائع مصرفية وقروض بنكية، بينما بلغت عوائد الرواتب وحقوق التأليف التي حصل عليها من مؤسسات صحفية ثمانية ملايين وثمانمئة وأربعة وأربعين ألف ليرة تركية.
- صنف المحققون الماليون مبالغ إجمالية تصل إلى خمسة ملايين وتسعة آلاف ليرة تركية واردة من ثلاثة وعشرين شخصاً وشركة كـ”حركات مالية مشبوهة”.
وخلص خبراء الهيئة المالية في تقريرهم إلى أن شروحات العمليات المصرفية المرافقة لتلك المبالغ غير كافية ومبهمة، مؤكدين أن الحجم المالي للحسابات لا يتوافق مع الدخل الطبيعي لصحفي يمارس المهنة كموظف، مما يعزز القرائن والشبهات حول عمليات غسيل أموال وتكسب غير مشروع.
قراءة سياقية في أبعاد الأزمة
تكشف هذه القضية المتشعبة عن عمق الاختراق الذي طال بعض الواجهات الإعلامية المحسوبة على النفوذ السياسي في تركيا، حيث لم تعد الاتهامات مقتصرة على التجاوزات المهنية أو النشر الكاذب، بل تعدتها إلى أنشطة مالية وجنائية بالغة الحساسية كغسيل الأموال وتسهيل الدعارة. ويشير المسار القضائي الصارم وتدخل هيئة الرقابة المالية إلى رغبة في تنقية المشهد الإعلامي من ممارسات الابتزاز المالي التي كانت تجري خلف ستار العمل الصحفي، مما يضع المؤسسات الإعلامية المرتبطة بشخصيات سياسية تحت مجهر المحاسبة القانونية المباشرة.

