تثير العمليات الأمنية المتلاحقة التي تستهدف كبرى الجماعات الدينية والطرق الصوفية في تركيا تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقة بين السلطة السياسية والكيانات الدينية التي شكلت لقرون جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد.
وفي قراءة تحليلية مفصلة للأزمة الراهنة عبر موقع يوتيوب، يفكك الباحث الإسلامي التركي المعروف علي بولاج خلفيات هذه التحركات وأبعادها التاريخية والسياسية، محذراً من تحول الدولة إلى “جماعة مهيمنة” تسعى لتطويع الحقل الديني وفقاً للحسابات الانتخابية والسياسية.
خريطة الاستهداف الأمنية: قضية “السليمانيين” و”وقف الفرقان“
شهدت الساحة التركية مؤخراً تحولات دراماتيكية تمثلت في عمليات دهم واعتقالات طالت قيادات وازنين في جماعتين بارزتين: جماعة “السليمانيين“ (واحدة من أكبر الكيانات الدينية وأكثرها انتشاراً في تركيا) وجماعة “وقف الفرقان“ التي يقودها الشيخ ألب أرسلان كويتول. وتجاوزت هذه الإجراءات مجرد التوقيفات الأمنية لتصل إلى تعيين “أوصياء حكوميين” لإدارة شركات ومؤسسات تابعة للجماعتين.
وفي هذا السياق، يقدم علي بولاج قراءة ثنائية الأبعاد للخلفيات غير المعلنة وراء استهداف جماعة السليمانيين:
- البعد السياسي الانتخابي: يرى بولاج أن الموقف التاريخي للجماعة، والمتميز باتخاذ مسافة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، يمثل الدافع الأساسي للغضب الحكومي. وقد تجلى هذا التباعد بشكل صارخ في الانتخابات الأخيرة، حيث اتخذ السليمانيون موقفاً داعماً لأحزاب المعارضة، وتحديداً حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحزب “الجيد” (İyi Parti). ويشير بولاج إلى أن هذا السلوك الانتخابي يكسر القاعدة التقليدية التي دأبت عليها الجماعات الدينية في دعم أحزاب اليمين المحافظ، وهو ما يثير قلق السلطة الحاكمة التي تعتمد تاريخياً على الخزان التصويتي للمتدينين.
- البعد الخارجي والتوتر مع برلين: يرتبط العامل الثاني بشعور الجماعة بالتضييق داخل تركيا، مما دفعها لنقل ثقل أنشطتها إلى الخارج، وتحديداً ألمانيا. وهناك، شيدت الجماعة مركزاً ضخماً بلغت تكلفته نحو 70 مليون يورو، وافتتحه الرئيس الألماني شخصياً ملقياً كلمة لافتة. ويوضح بولاج أن هذا الصعود الخارجي أثار حساسية مفرطة لدى أنقرة، وتسبب في توترات استخباراتية ودبلوماسية بين تركيا وألمانيا شملت توقيف عناصر أمنية متبادلة قبل إطلاق سراحهم لاحقاً.
تغريدات حكومية وتصفية حسابات: كواليس ملاحقة “وقف الفرقان“
أما فيما يتعلق بـوقف الفرقان ورئيسه ألب أرسلان كويتول، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيداً؛ إذ يرى بولاج أن تضامن كويتول مع جماعة السليمانيين وانتقاده للعمليات الأمنية ضدها كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، على الرغم من وجود “فروق شاسعة وهائلة” بين الجماعتين في فهم الدين وأساليب العمل والنشاط.
ويلفت الباحث التركي الانتباه إلى مؤشرات دالة على غياب دولة القانون في هذه الإجراءات:
- تغريدات تسبق الاعتقال: يشير بولاج إلى تغريدة لأحد كبار مستشاري رئيس الجمهورية (أوكتاي سارال) وجهها لكويتول قائلاً فيها: “لقد سخن ماؤك، انتظر”، وهي التغريدة التي حُذفت لاحقاً. ويعتبر بولاج أن قيام الأجهزة الأمنية والقضائية التابعة لوزارتي الداخلية والعدل بالتحرك الفوري لشن عمليات أمنية غداة هذه التغريدة يثير شكوكاً وهواجس جدية لدى الرأي العام حول استقلالية القرار القضائي.
- دور التحريض الداخلي: يبرز في المشهد أيضاً دور رجل الدين المعروف باسم “جبلي أحمد“ (أحمد محمود أونلو) الذي دأب على استهداف كويتول ووقف الفرقان في خطاباته، مقدماً بلاغات وشكاوى تحريضية ضدهم، وهو ما يرى بولاج أنه قد يكون لعب دوراً في تسريع التحرك الأمني.
- الخطاب السياسي المعارض: يُعرف كويتول بتبنيه خطاباً هجومياً حاداً ينتقد فيه السياسات الداخلية والخارجية والاقتصادية للحكومة التركية، لا سيما قضية عدالة توزيع الدخل، مما جعله في مرمى الاستهداف المباشر.
سلاح “الأوصياء”: التجفيف المالي قبل الإدانة القضائية
ينتقد علي بولاج بشدة الآلية القانونية المتبعة في هذه العمليات، والمتمثلة في مصادرة ممتلكات الجماعات وتعيين أوصياء حكوميين عليها قبل صدور أي حكم قضائي نهائي.
ويرى الباحث أن هذا الإجراء يسلب الكيانات الدينية قدرتها على البقاء المالي والاستمرار العملي، محذراً من خطورة هذه الخطوة التي لا يمكن تصنيفها كقرار قانوني عادل ما لم تنتظر السلطات نهاية المسار القضائي الكامل وتثبت التهم بالأدلة القاطعة.
جدلية “السرية” والشفافية: هل الجماعات هياكل مغلقة مهددة للديمقراطية؟
في رده على الأطروحات السوسيولوجية التي تنتقد الجماعات الدينية بوصفها كيانات “مغلقة، سرية، ومقاومة للقوانين” (مستشهدين بمزاعم البنية العميقة لجماعة فتح الله كولن، يقدم بولاج مقاربة مغايرة تماماً:
- نقد مفهوم “المجتمع المفتوح“: يرفض بولاج طرح الفيلسوف كارل بوبر حول المجتمع المفتوح بالكامل الذي لا يترك مساحة للمحرمية. ويرى أن الأفراد والعائلات ومؤسسات المجتمع المدني والجماعات لديهم حق أصيل في المحرمية والخصوصية، وأن تدمير هذه الخصوصية يقود المجتمع نحو “العري الشامل” المنافي للفطرة والأعراف الاجتماعية.
- دحض فرضية الكيانات المغلقة: يؤكد الباحث أن الجماعات التركية ليست مغلقة؛ فحركة كولن -على سبيل المثال- كانت تمتلك صحفاً، وبنوكاً، ومدارس، ومؤسسات علنية كـ “وقف الصحفيين والكتاب”. ويفرق بولاج حاسماً بين الأنشطة الجمعوية العلنية المؤطرة قانونياً، وبين قرارات سرية حول مزاعم القيام بانقلاب عسكري، وهو عمل سري بطبيعته لا يشارك فيه سوى حلقة ضيقة جداً (لا تتجاوز عشرات الأشخاص)، وهو شأن استخباراتي بحت يتطلب يقظة أجهزة الدولة الأمنية ولا يعبر عن طبيعة الجماعة ككل.
- طوعية الانتماء: يفند بولاج الادعاءات العلمانية التي تصور الجماعات كـ “سجون إيديولوجية” لا يمكن الخروج منها. ويؤكد أن الانضمام للجماعات في تركيا هو عمل إرادي بالكامل، مستشهداً بتجربته الشخصية وتجارب الكثيرين الذين تنقلوا بين طرق وجماعات متعددة بحرية كاملة دون أي إكراه أو تسلط.
جذور الصراع التاريخي: هندسة الدولة العلمانية في مواجهة العفوية الاجتماعية
يرى بولاج أن الأزمة الراهنة هي امتداد لصراع هوية قديم بدأ مع تأسيس الجمهورية التركية. فقد تأسست الدولة كـ “مشروع قومي كمالي احتكاري متجانس“ يُفرض من الأعلى إلى الأسفل، ويسعى لبناء مجتمع يدين بالولاء المطلق والوحيد للدولة.
وفي المقابل، تشكل الطرق الصوفية والجماعات حواجز حماية وآليات وسيطة تمنع المواجهة المباشرة بين الفرد وتغول الدولة. وبينما عمل الكماليزم (الكمالية) على تصفية هذه الهيائات، فإنها ظلت تتدفق وتظهر عفوياً استجابة للحاجة الاجتماعية:
- الطرق الصوفية: ذات طابع تاريخي تقليدي، هرمي، يستند إلى مرجعية روحية ميتافيزيقية متمحورة حول الشيخ.
- الجماعات الدينية الحديثة: ظهرت كـ نتاج لحركات الهجرة الكثيفة من الريف إلى المدن الكبرى في خمسينيات القرن الماضي (بالتزامن مع عقيدة ترومان ومخطط مارشال). وبسبب عجز الدولة عن دمج هؤلاء المهاجرين وتنشئتهم اجتماعياً، لعبت الجماعات دور “المظلة الحاضنة” والمسهل للاندماج المدني.
من السيطرة الكمالية إلى “التدجين” في عهد العدالة والتنمية
يرصد بولاج تحولاً عميقاً في بنية الجماعات الدينية وعلاقتها بالدولة عبر الحقب السياسية:
- مرحلة “العلاقة الوظيفية الصحيحة” (ما قبل عام 1994): يصف بولاج علاقة الجماعات بالدولة في عهد أحزاب اليمين الوسط (مثل سليمان دميريل) بأنها كانت صحية وشفافة. كانت العلاقة قائمة على “المساومة الديمقراطية المشروعة”؛ حيث تتفاوض الجماعات مع الحزب الحاكم لمنح أصواتها مقابل تسهيل أنشطتها الخدمية (كفتح مدارس تحفيظ القرآن) دون التدخل في الشأن السياسي العام. وكانت تمول نفسها ذاتياً عبر تبرعات الأعضاء وزكاة الفطر وما ماثلها دون أي اعتماد على أموال الدولة.
- مرحلة “الارتباط العضوي الفاسد” (ما بعد عام 1994): تحولت العلاقة إلى ارتباط عضوي مدمر؛ حيث ارتبطت الجماعات بـ “النعم والمكاسب الحكومية”، وباتت تبحث عن المناقصات العامة، والوظائف الحكومية، وتقاسم الحقائب الوزارية. ويرى بولاج أن هذا التحول أفسد أخلاقيات العمل الديني وجعل الكيانات الدينية تابعة للدولة ومطيعة لها.
- الدولة كـ “جماعة مهيمنة“: يعتقد بولاج أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الدولة التركية نفسها تشكلت كـ “جماعة مهيمنة”. فكما كانت الدولة في عهد الحزب الواحد خاضعة لسيطرة “الجماعة الكمالية”، فإن الدولة اليوم تسعى لفرض وصايتها الدينية والسياسية. ويستشهد بتصريح سابق للمسؤول الحكومي بولنت أرينج الذي قال فيه للجماعات ما معناه: “إن وجودكم مرهون بنا”، وهو تعبير صارخ عن محاولة فرض الهيمنة والإخضاع.
مخاطر تصفية الجماعات والدين الرسمي للدولة
يحذر علي بولاج من أن نجاح السلطة في تدمير وإزالة الجماعات الدينية سيؤدي إلى عواقب وخيمة على المجتمع والدولة على حد سواء:
- احتكار الفهم الديني وعودة التوتاليتارية: يرى أن غياب الجماعات يعني سيطرة “رؤية دينية رسمية وحيدة ومحتكرة” تمثلها مؤسسة “ديانة” (رئاسة الشؤون الدينية)، واعتبار كل فهم ديني آخر خارجها غير مشروع ويستوجب الملاحقة والمنع.
- تسيد الدولة وتلاشي المجتمع المدني: يؤدي غياب هذه الحواضن الاجتماعية إلى تعرية الأفراد تماماً أمام السلطة الحاكمة، مما يسهل تحول الدولة إلى الاستبداد والشمولية. ويشير بولاج إلى النموذج الغربي؛ حيث تمتلك الولايات المتحدة آلاف منظمات المجتمع المدني الدينية الفاعلة (مثل الإنجيليين الصهاينة، والذين رغم خطورتهم ودورهم في تأجيج الصراعات، لا يفكر أحد في مصادرة أموالهم أو حظرهم). كما يذكر بدور منظمات المجتمع المدني العفوية في لم شمل أوروبا وتأسيس الاتحاد الأوروبي بعد ويلات الحرب العالمية الثانية.
- تنامي ظاهرة الإلحاد اللاديني (الربوبية – Deism): يربط الباحث مباشرة بين تراجع الدور التربوي والأخلاقي الأصيل للجماعات وانشغالها بالمكاسب السياسية والمالية، وبين تفشي موجات الإلحاد واللادينية بين الشباب الأتراك الذين باتوا يعيشون في فراغ روحي وفكري.
رؤية إصلاحية بديلة: كيف تُدار العلاقة بين الدين والدولة؟
يقترح علي بولاج في ختام قراءته معالم واضحة لإصلاح الاختلالات الراهنة بعيداً عن الحلول الأمنية الإقصائية:
- احترام التعددية ونبذ “الدين الرسمي“: يجب على الدولة التركية ألا تتبنى تعريفاً رسمياً لـ “الدين الصحيح” أو مذهباً معلناً تفرضه على مواطنيها. حتى الطروحات الدينية الشاذة أو الغريبة لبعض دعاة الفضائيات لا يجب على الدولة حظرها؛ بل يقع عبء تفنيدها علمياً وعقلياً على عاتق الأكاديميين والمؤسسات الدينية المستقلة.
- الاعتماد المتبادل ومساحة النقد الحرة: الإبقاء على حق ممارسة وتوجيه النقد الحر بين الكيانات الدينية والاجتماعية المختلفة، شريطة حماية الفرد من أي تهديد أو عنف جسدي.
- تنظيم التشريعات وحماية الاستقلالية: الدعوة لتعديل القوانين التركية الحالية التي تمنح السلطة السياسية حقوقاً تعسفية ومفرطة للتدخل العشوائي في شؤون المجتمع المدني والجماعات. ويرى بولاج أن الدولة يجب أن يقتصر دورها على الرقابة القانونية المشروعة (مثل مكافحة الأموال القذرة أو التهديدات الأمنية الملموسة للدولة والمجتمع)، مع الحفاظ التام على أصل استقلالية وخصوصية هذه الكيانات.
ويخلص الباحث الإسلامي علي بولاج إلى أن الجماعات والطرق الصوفية التركية تمر اليوم بــمرحلة واضحة من التحلل والفساد الأخلاقي والبعد عن المثاليات. ومع ذلك، فإن العلاج لا يمكن أن يكون عبر عمليات أمنية انتقائية ومسيسة تفصل بين “جماعة مقبولة ومرضية” تمنح أصواتها للحزب الحاكم، وأخرى “غير مقبولة” تُعاقب وتُصادر أموالها لمجرد تبنيها موقفاً سياسياً معارضاً.

