تتأهب مدينة إسطنبول لاستضافة قمة دبلوماسية مكثفة غدا الأحد تجمع وزراء خارجية عدة قوى إقليمية ودولية بارزة، بهدف صياغة تفاهمات تضمن إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي وتأمين طرق الملاحة البحرية الدولية، في ظل استمرار الحرب المستعرة بين الولايات المتحدة وإيران والتي دخلت شهرها السادس.
وجاءت المبادرة بعقد هذا اللقاء بجهود مشتركة قادها وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، ونظيره الألماني، يوهان واديفول.
ويأتي هذا التنسيق امتداداً لقنوات التواصل المستمرة بين الوزيرين، والتي تجسدت سابقاً في مؤتمرهما الصحفي المشترك بالعاصمة الألمانية برلين في الثامن عشر من مايو/أيار الماضي.
وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية “د ب أ” نقلاً عن مصادر حكومية في برلين، فإن مائدة المفاوضات في إسطنبول ستتسع لتضم وزراء خارجية كل من المملكة العربية السعودية، ومصر، وباكستان، بالإضافة إلى فرنسا والمملكة المتحدة.
مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي في قلب العاصفة
يرى مراقبون ومصادر دبلوماسية في برلين أن اختيار إسطنبول منصةً لهذه المحادثات يحمل دلالات سياسية موجهة إلى واشنطن، لا سيما بعد جمود الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة للتوصل إلى تسوية شاملة مع طهران. فالنزاع العسكري الراهن ألقى بظلال قاتمة على حركة العبور في مضيق هرمز، الذي يمثل شريان الحياة الرئيسي لإمدادات النفط العالمية والغاز الطبيعي المسال.
من جانبها، تربط إيران أي مرونة بشأن إعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي بمدى الالتزام بالبنود المتفق عليها في الاتفاق الإطاري الأولي المبرم مع واشنطن في يونيو/حزيران المنصرم.
وكان هذا الاتفاق التمهيدي، الذي تبلور بفضل وساطة باكستانية فاعلة وبدعم قطري وإقليمي، قد وضع خريطة طريق تشمل كفالة حرية الملاحة في المضيق، وفرض قيود على الأنشطة النووية الإيرانية، مقابل رفع العقوبات والسير نحو تسوية أوسع. ورغم ترحيب ألمانيا آنذاك بهذا المسار ومطالبتها بإعادة فتح المضيق بلا قيود وبشكل دائم، فإن قطار المفاوضات اصطدم بجملة من التعقيدات الميدانية والسياسية اللاحقة.
العقوبات الأمريكية وتوازنات القوى الإقليمية
تتزامن القمة مع تصعيد اقتصادي لافت من جانب البيت الأبيض؛ إذ اتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو تشديد الضغوط على إيران، معلناً عن حملة عقوبات جديدة وحذر الدول التي تحافظ على روابط تجارية ومالية مع طهران من مغبة مواجهة تدابير عقابية أمريكية. وتضع هذه التحذيرات تركيا في موقف دقيق نظراً لكونها شريكاً تجارياً رئيسياً لإيران.
وفي ظل هذا الاحتقان، كان وزير الخارجية الألماني يوهان واديفول قد دعا طهران إلى العودة لطاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية، مشدداً على ضرورة فتح مضيق هرمز “دون قيد أو شرط“ لضمان سلامة وحرية حركة التجارة البحرية.
وفي المقابل، تواصل الدبلوماسية التركية تحركاتها المتوازنة؛ إذ يحتفظ هاكان فيدان بخطوط اتصال ساخنة مع واشنطن وطهران وإسلام آباد. وكان فيدان قد كشف في وقت سابق عن تنسيق تركي وثيق مع باكستان لدفع عجلة التفاوض، مؤكداً وجود إجماع دولي واسع على حتمية حماية حركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية ومنع انزلاق المنطقة إلى أتون مواجهات جديدة.
أمن البحر الأسود وسلاسل إمداد الغذاء تفرض نفسها
لن تنحصر أجندة وزراء الخارجية في إسطنبول في مياه الخليج فحسب، بل ستتمدد لتشمل ملفاً لا يقل سخونة؛ وهو أمن البحر الأسود والاضطرابات المستمرة في صادرات الحبوب الأوكرانية الناجمة عن الحرب الروسية في أوكرانيا.
وتشير المصادر الألمانية إلى أن إحداث خرق إيجابي في ملف شحن الحبوب يمثل مصلحة مشتركة وعاجلة لجميع العواصم المشاركة في القمة. فبينما تبرز تركيا كمركز رئيسي لتصنيع وتجهيز الحبوب الأوكرانية، تصنف باكستان ومصر كأبرز المستوردين والمشترين لهذه السلع الأساسية، مما يجعل استقرار موانئ البحر الأسود مسألة أمن قومي واقتصادي مباشر لهذه الدول.

