تتشابك المسيرة المهنية والسياسية لحسن بيكر، المعروف عالمياً بلقبه الرقمي “HasanAbi”، بين جذوره الشرقية في تركيا وتأثيره المتصاعد في أروقة السياسة الأمريكية، ليصبح واحداً من أبرز الأصوات التقدمية التي تعيد صياغة الوعي السياسي لدى الأجيال الشابة.
التكوين والنشأة: من أزقة إسطنبول إلى شاشات “تويتش”
وُلد حسن بيكر، الذي يبلغ من العمر حالياً خمسة وثلاثين عاماً، في ولاية نيو جيرسي الأمريكية لأبوين تركيين، إلا أن سنوات نضجه وتكوينه الفكري تبلورت في مدينة إسطنبول. يرى بيكر أن نشأته في تركيا تزامنت مع صعود الرئيس رجب طيب أردوغان، وهي المرحلة التي شهد خلالها ما وصفه بـ”التبعات السلبية” والضغوط الاجتماعية التي شكلت بوادر رحلته السياسية. وبالرغم من أنه لم يتبنَّ الفكر الاشتراكي في بداياته، إلا أنه عُرف بتوجهات ليبرالية وتقدمية قوية، نابعة من إحباطه تجاه القمع الاجتماعي وتأثره بالسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما عُرف بـ”الحرب على الإرهاب”.
القوة الرقمية والكتلة الناخبة الجديدة
يستند بيكر في تأثيره إلى قاعدة جماهيرية ضخمة، حيث يتابعه أكثر من ثلاثة ملايين شخص على منصة “تويتش” وحوالي 1.8 مليون مشترك في قناته الرئيسية على “يوتيوب”. لا يقتصر محتواه على نقل الأخبار، بل يمتد ليشمل تحليلات سياسية معمقة ونقاشات تفاعلية تستمر لثماني ساعات يومياً، مما وضعه في المرتبة الأولى ضمن فئة السياسة والتعليق على “تويتش”.
تتشكل قاعدة بيكر الجماهيرية من شريحة ديموغرافية حاسمة، وهم الشباب دون سن الخامسة والأربعين، وتحديداً الفئة العمرية بين ثمانية عشر وخمسة وثلاثين عاماً. يصف بيكر جمهوره بأنهم من خريجي الجامعات الذين يواجهون تراجعاً في الحراك الاجتماعي، ويعانون من البطالة المقنعة أو يعملون في قطاعات “اقتصاد المهام المؤقتة” (gig economy) نتيجة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة. هذا الانتشار الواسع جعل منه جسراً للسياسيين الديمقراطيين الراغبين في الوصول إلى الناخبين الشباب، حيث استضاف شخصيات بارزة مثل النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وعمدة نيويورك زهران ممداني.
من التعليق إلى التأثير الميداني
تجاوز دور بيكر حدود الشاشة ليصبح فاعلاً في الحملات الانتخابية؛ فقد شارك في دعم المرشح التقدمي عبد السيد في ميشيغان، الذي فاز بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد في مجلس الشيوخ في الخامس من أغسطس. هذا النشاط الميداني لفت أنظار القوى التقليدية، من شبكة “فوكس نيوز” إلى قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حيث يُنظر إليه كقوة قادرة على تحريك كتل انتخابية وازنة، رغم الانتقادات التي توجه إليه بسبب تصريحاته السابقة حول الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي سياق متصل، وصفته هيئة الإذاعة الأسترالية مؤخراً بأنه شخصية مركزية ومؤثرة في الانتخابات الأمريكية المرتقبة عام 2026.
الرؤية الجيوسياسية: تركيا بين الطموح الإقليمي والمخطط الدولي
فيما يخص الشأن التركي الداخلي، يقر بيكر بتراجع اهتمامه بالتفاصيل اليومية مؤخراً، معتبراً أن نقطة التحول كانت ملاحقة عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، المنافس الأبرز لأردوغان، والمحتجز منذ مارس 2025 بتهم فساد ينفيها، وسط احتجاجات واسعة واتهامات من المعارضة للحكومة بالتدخل في القضاء لإقصائه سياسياً.
ومع ذلك، يظل بيكر مراقباً دقيقاً للسياسة الخارجية التركية وموقعها في الاستراتيجية الإقليمية الأمريكية. يرى بيكر أن أردوغان يلعب دوراً ضمن “المخطط الأمريكي الكبير” في المنطقة، لكنه يسعى في الوقت ذاته للحفاظ على قدر من السيادة التركية. ويشير إلى أن تحركات تركيا في سوريا، ووساطتها في الصراع الروسي الأوكراني، وسعيها للحصول على مقاتلات “إف-35″، قد عززت من مكانتها كلاعب قوي في الشرق الأوسط. ومن وجهة نظره، تنظر إسرائيل إلى تركيا كخصم استراتيجي طويل الأمد بسبب قدرة أنقرة على بناء نفوذ إقليمي مستقل، وهو ما تجلى في معارضة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لصفقة طائرات “إف-35” لتركيا في يوليو الماضي، بدعوى أنها ستغير ميزان القوى في المنطقة.
الديمقراطية الرقمية التفاعلية
يمثل حسن بيكر ظاهرة “الديمقراطية الرقمية التفاعلية”، حيث لم يعد الخطاب السياسي حكراً على المؤسسات التقليدية. إن قدرته على تبسيط القضايا الجيوسياسية المعقدة وربطها بالواقع المعيشي للشباب الأمريكي تخلق نوعاً جديداً من “الوعي الطبقي الرقمي”. ومن المتوقع أن يزداد تأثيره مع اقتراب انتخابات 2026، خاصة في ظل اتساع الفجوة بين الأجيال الشابة والقيادات السياسية التقليدية في الولايات المتحدة. يعكس بيكر أيضاً حالة الشتات التركي المثقف الذي، رغم ابتعاده جغرافياً، يظل مرتبطاً بهويته السياسية ويستخدمها كأداة لفهم ونقد السياسات العالمية.

