تسعى تركيا إلى توسيع دائرة الاتفاق الدفاعي الذي جمعها مع السعودية وباكستان، بعد أن أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن أنقرة تتوقع انضمام مصر إلى الترتيب الأمني الجديد في المرحلة المقبلة.
وقال فيدان إن القاهرة تُعد شريكاً طبيعياً لهذا الإطار، مشيراً إلى أن الدول الأربع تتعامل في كثير من الملفات الأمنية كما لو كانت بالفعل أعضاء في تحالف واحد، وأن ما تبقى من قضايا أمام انضمام مصر يرتبط أساساً بـ«مسائل تقنية» يجري العمل على حلها.
ويأتي هذا الطرح بعد توقيع تركيا والسعودية وباكستان، في السابع من أغسطس/آب، اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً عليها جميعاً، بما يعزز مبدأ الردع الجماعي.
من اتفاق ثلاثي إلى مظلة إقليمية
لا تبدو أنقرة راغبة في إبقاء الاتفاق محصوراً في أطرافه الثلاثة. فقد قال فيدان إن رؤية الرئيس رجب طيب أردوغان تقوم على توسيع الإطار ليشمل دولاً أخرى، وصولاً، إذا اقتضت الحاجة، إلى مظلة أمنية إقليمية أوسع.
ويأتي ذلك امتداداً لمسار بدأ قبل توقيع الاتفاق الحالي. فقد كانت تركيا قد أجرت في وقت سابق محادثات مع الرياض وإسلام آباد بشأن ترتيبات دفاعية مشتركة، قبل أن تتبلور الصيغة الثلاثية الحالية. كما أشارت تحليلات أمنية إلى وجود تعاون ثلاثي متزايد بين الدول الثلاث في مجالات الدفاع والصناعات العسكرية منذ عام 2023.
ومن اللافت أن الاتفاق لا يقدم نفسه رسمياً باعتباره موجهاً ضد دولة بعينها. فقد شدد فيدان على أن الأطراف لم تحدد في نص الاتفاق «تهديداً مشتركاً» بالاسم، فيما وصف الجانب الباكستاني الاتفاق بأنه أداة لتعزيز الردع الجماعي.
لكن توقيت الاتفاق يجعل البعد الإقليمي أكثر وضوحاً.
حرب إيران تغيّر الحسابات الأمنية
جاء الاتفاق بينما امتدت تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى دول الجوار، وازدادت المخاطر التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
كما شهدت المنطقة هجمات طالت السعودية ومصالح أمريكية، في وقت تواصل فيه جماعة الحوثي المدعومة من إيران تنفيذ عمليات في المنطقة. وفي أحدث تطور، أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن هجوم بطائرة مسيّرة استهدف منشأة تابعة لأرامكو في جازان بالسعودية، بعد يومين فقط من توقيع الاتفاق الثلاثي.
هذه التطورات تمنح اتفاق مكة وظيفة تتجاوز التعاون العسكري التقليدي: إنشاء شبكة ردع إقليمية في بيئة أمنية باتت أكثر اضطراباً وأقل قابلية للاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية.
لماذا تمثل مصر الحلقة الأهم؟
انضمام مصر، إذا تحقق، سيغير طبيعة الترتيب بصورة واضحة.
فالقاهرة ليست مجرد دولة إضافية إلى قائمة الأعضاء؛ موقعها الجغرافي يمنحها أهمية مباشرة في أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط وقناة السويس، كما أن وزنها العسكري والسياسي يجعل مشاركتها ذات تأثير على أي منظومة أمن إقليمية ناشئة.
كما أن وجود مصر سيمنح الاتفاق امتداداً عربياً أكبر، ويجعل من الصعب اختزاله في علاقة تركية ـ سعودية ـ باكستانية.
لكن القاهرة ستتعامل على الأرجح مع المسألة بحسابات دقيقة، لأن الانضمام إلى أي ترتيب دفاعي جماعي يعني التزامات سياسية وأمنية تتجاوز التعاون الثنائي التقليدي.
هل نحن أمام «ناتو إقليمي»؟
من المبكر وصف اتفاق مكة بأنه نسخة شرق أوسطية من حلف شمال الأطلسي.
صحيح أن مبدأ اعتبار الاعتداء على دولة اعتداءً على الجميع يشبه من حيث المبدأ المادة الخامسة في حلف الناتو، وقد وصف فيدان الترتيب بأنه يتضمن من الناحية التقنية مبدأ مشابهاً. لكن تفاصيل آليات التنفيذ، وطبيعة الالتزامات العسكرية، والظروف التي تستدعي تدخلاً مشتركاً، لا تزال بحاجة إلى مزيد من التوضيح.
ولهذا، تبدو المرحلة المقبلة أكثر أهمية من لحظة توقيع الاتفاق نفسها.
فإن تحول الاتفاق إلى تدريبات مشتركة، وتنسيق استخباراتي، وتعاون في الصناعات الدفاعية، وآليات واضحة للاستجابة للأزمات، فسيكون قد انتقل من إعلان سياسي إلى بنية أمنية فعلية.
اختبار صعب أمام تركيا ومصر
بالنسبة إلى تركيا، يوفر الإطار الجديد فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي وبناء شبكة أمنية لا تعتمد حصراً على المظلة الغربية، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بعضوية الناتو.
أما السعودية، فتحصل على شراكة تجمع بين القدرات العسكرية والتكنولوجية التركية والخبرة العسكرية الباكستانية، في وقت تتزايد فيه التهديدات المباشرة وغير المباشرة لأمنها.
وبالنسبة إلى باكستان، يفتح الاتفاق مجالاً لتوسيع علاقاتها الدفاعية والاقتصادية مع قوتين إقليميتين مهمتين.
أما مصر، فإن قرارها سيكون الأكثر حساسية؛ إذ يتعين عليها الموازنة بين أمنها في البحر الأحمر والشرق الأوسط، وعلاقاتها المتعددة مع القوى الإقليمية والدولية، وبين مخاطر الانخراط في ترتيبات قد تتحول مستقبلاً إلى محور صراع.
نحو خريطة أمنية جديدة؟
الأهم في التحرك التركي ليس مجرد احتمال انضمام مصر، بل الفكرة التي تقف وراءه.
فالمنطقة تشهد انتقالاً تدريجياً من الاعتماد على تحالفات خارجية منفردة إلى البحث عن ترتيبات أمنية تقودها دول المنطقة نفسها.
وهذا لا يعني بالضرورة ولادة كتلة عسكرية موحدة، لكنه يكشف عن إدراك متزايد بأن الحروب الأخيرة، والهجمات على البنية التحتية والطاقة، واضطراب طرق الملاحة، جعلت الأمن الإقليمي قضية لا تستطيع دولة واحدة التعامل معها منفردة.
إذا انضمت مصر بالفعل، فقد يتحول اتفاق مكة من تحالف ثلاثي للردع إلى نواة لترتيب أمني إقليمي أوسع.
لكن نجاح المشروع لن يتوقف على عدد الدول التي ستنضم إليه، بل على سؤال أكثر صعوبة: هل تستطيع هذه الدول بناء آلية أمنية مشتركة من دون تحويلها إلى محور جديد في صراعات الشرق الأوسط؟

