يشهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً مع ولادة تكتل أمني جديد يجمع بين أنقرة والرياض وإسلام آباد، وهو ما تبلور في “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”. هذا التحالف الذي وُقع خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية، وبحضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكساني شهباز شريف، لا يمثل مجرد بروتوكول تعاون تقليدي، بل يؤسس لمرحلة من “الردع الجماعي” الذي قد يغير قواعد اللعبة في المنطقة.
ميثاق الدفاع المشترك: فلسفة “الكل من أجل الواحد”
تنص بنود الاتفاقية الاستراتيجية على مبدأ صارم في العلاقات الدولية؛ إذ يُعتبر أي اعتداء مسلح يستهدف أياً من الدول الثلاث بمثابة هجوم مباشر على الجميع، مما يستوجب استجابة منسقة. وتستند هذه المقاربة إلى المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة التي تقر بالحق الأصيل في الدفاع عن النفس. ولا تقتصر أهداف هذا التحالف على الجانب العسكري الصرف، بل تمتد لتشمل تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية وتطوير مشاريع مشتركة تضمن الاستقلال الاستراتيجي، وتسريع وتيرة التبادل التجاري العسكري بين الدول الثلاث، ومكافحة الإرهاب بكافة أشكاله وتجفيف منابعه في المنطقة، وإرساء رؤية “الملكية الإقليمية” لحل النزاعات عبر الدبلوماسية والقانون الدولي، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الدول الشقيقة التي تشارك نفس الأهداف.
التحفظات الإيرانية: من التشكيك إلى التحذير
لم يتأخر الرد الإيراني على هذا التطور الأمني؛ إذ عبّرت طهران عن توجسها بوضوح عبر تصريحات لمحسن رضائي، مستشار المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. واعتبر رضائي أن توقيع اتفاقيات دفاعية مع تركيا وباكستان لن يوفر الأمن المنشود للرياض، داعياً القيادة السعودية إلى ضرورة إجراء تغيير جذري في سياساتها الإقليمية عوضاً عن البحث عن مظلات أمنية خارجية. يأتي هذا الموقف في ظل مناخ محتقن يتسم بتبادل الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تجد الرياض نفسها في قلب هذا الاستقطاب، ساعية لتعزيز أمنها ضد الفصائل المسلحة المدعومة من طهران في اليمن والعراق.
اختبار الميدان: رسائل “آرامكو” والرد العسكري
في تطور ميداني يعكس حساسية التوقيت، نفذت جماعة “الحوثي” هجوماً بطائرة مسيرة استهدف مصفاة تابعة لشركة “آرامكو” في منطقة جيزان السعودية، وذلك بالتزامن مع توقيع الاتفاقية الثلاثية. هذا الهجوم، الذي وُصف بأنه “مانشيت” عسكري لرسالة سياسية، يؤكد حجم التحديات التي تواجه التحالف الجديد، خاصة وأن التحالف الثلاثي قوبل أيضاً بفتور أو معارضة من قوى إقليمية أخرى مثل اليونان وإسرائيل.
هندسة التهديدات: البنية التحتية في مرمى النيران
تشير تقارير استخباراتية رفيعة المستوى إلى أن المخاوف السعودية تتجاوز مجرد المناوشات الحدودية؛ إذ ثمة تقديرات بأن الحرس الثوري الإيراني قد يوجه ميليشيات حوثية وعراقية لشن هجمات منسقة تستهدف العصب الاقتصادي للمملكة. وتشمل الأهداف المحتملة البنية التحتية للطاقة ومصافي النفط لضرب إمدادات السوق العالمي والموانئ البحرية الاستراتيجية والمطارات المدنية، والأهداف الحيوية التي تمس الأمن القومي والمعيشي المباشر.
ما وراء التحالف
يُظهر هذا التحالف رغبة الدول الثلاث في ملء الفراغ الأمني الذي قد يخلّفه تراجع الاهتمام الأمريكي التقليدي بالمنطقة، أو على الأقل تنويع خياراتها الدفاعية. فتركيا تسعى لترسيخ دورها كقوة صناعية عسكرية ومورد رئيسي للتكنولوجيا، بينما تهدف باكستان إلى تعميق صلاتها الاستراتيجية مع العمق العربي، في حين تعمل السعودية على بناء شبكة أمان متعددة الأطراف تردع الخصوم الإقليميين. إن نجاح “اتفاقية مكة” سيتوقف على قدرة الأطراف الثلاثة على تحويل النصوص إلى تنسيق عملياتي حقيقي على الأرض، ومواجهة الضغوط المضادة التي بدأت تظهر بوادرها في قصف جيزان والتحذيرات الدبلوماسية من طهران.

