يرصد الكاتب والأكاديمي التركي حيدر كاراتاش مشهداً معقداً يعكس حالة الانقسام العميق داخل الهوية العلوية في تركيا، حيث تتصارع الرؤى السياسية والمنطلقات اللاهوتية في ظل مشهد سياسي مضطرب تقوده تحولات حزب الشعب الجمهوري وتدخلات السلطة التركية الممنهجة.
التصدع السياسي داخل البيت العلوي
في برنامج على يوتيوب يرى كاراتاش أن المجتمع العلوي يعيش حالياً أزمة حادة مرتبطة بالتحولات داخل حزب الشعب الجمهوري، حيث يتجلى صراع صامت بين تيار كمال كليتشدار أوغلو والقيادة الجديدة المتمثلة في أوزغور أوزيل. ويحلل الأكاديمي التركي هذا الانقسام باعتباره صراعاً بين “الجمعيات العلوية” التي تمثل الجناح العلماني والاشتراكي والميال للاحتجاجات الشعبية، وبين “البيوتات أو الأوكار العلوية” (Ocaklar) التي تمثل الجناح التقليدي واللاهوتي المرتبط بسلالات “الديدا” أو الشيوخ.
ويؤكد كاراتاش، الخبير في العقيدة العلوية، أن رفض كليتشدار أوغلو الانسحاب بهدوء بعد خسارته المؤتمر العام للحزب أدخله في نفق مظلم من الحسابات السياسية الضيقة التي فرضتها الدوائر المقربة منه، مما عمّق الفجوة بينه وبين القواعد العلوية العلمانية التي بدأت تنظر إلى مواقفه بريبة أخلاقية.
الهندسة اللاهوتية والتدخل الرسمي
يشير حيدر كاراتاش إلى وجود “عملية عميقة” تقودها السلطة التركية منذ أحداث “غيزي بارك” بهدف تحييد القوة الاحتجاجية للعلويين في الشارع. ويوضح أن الدولة تدرك أن “العناد العلوي” هو المحرك الأساسي لحزب الشعب الجمهوري، ولذلك تعمل على شق هذا الصف من خلال محاولة استمالة “الأوكار العلوية” والديدا التقليديين عبر تقديم الدعم المالي والاعتراف الرمزي، بعيداً عن منحهم حقوقاً دستورية حقيقية أو مساواتهم بالمساجد.
ويرى كاراتاش أن هناك محاولة لإعادة صياغة اللاهوت العلوي وربطه بالمنظومة الإسلامية الرسمية (السنية أو الشيعية الجعفرية)، عبر تغيير المفاهيم التقليدية؛ فمثلاً يتم استبدال صورة “الأم العلوية” المستقلة بصورة نساء مقدسات في الإسلام التقليدي تحت مسمى “العفة والولاء”، وهو ما يعتبره كاراتاش تغريباً للهوية العلوية المحلية الأصيلة، على حد وصفه.
رمزية كربلاء وصراع الهويات الفرعية
يتوقف الأكاديمي التركي عند دلالات رمزية عميقة، مثل امتناع البعض عن تقديم الماء لكليتشدار أوغلو في فعاليات “حجي بكتاش”، معتبراً إياها إشارة تذكر بمأساة كربلاء، وتعكس رفضاً لاهوتياً وأخلاقياً لمساره السياسي الأخير. كما يشير إلى الحساسية بين العلويين الأناضوليين (القزلباش والبكتاشيين) وبين التيار الجعفري المرتبط لاهوتياً بإيران، موضحاً أن محاولات كليتشدار أوغلو للتقارب مع الجعفريين فُهمت كفخ سياسي أو جهل بالتباينات اللاهوتية الحادة حول مكانة المرأة وطقوس العبادة.
التوظيف السياسي للأصل والنسب
ينتقد حيدر كاراتاش محاولات بناء “شجرة نسب” لكليتشدار أوغلو تربطه بـ “محمود حيراني”، واصفاً إياها بأنها عملية “عثمنة” وربط للهوية العلوية بسياقات ترضى عنها السلطة، وهو ما يتناقض مع الوعي الجمعي العلوي في مناطق مثل “ديرسم”. ويضيف كاراتاش أن لجوء كليتشدار أوغلو لخطاب الأخلاق والنزاهة (لم أسرق، لم آكل حق أحد) هو رأس ماله الوحيد كمنتمٍ لأقلية، لكنه في الوقت ذاته يعكس مأزق “أخلاق الأقلية” التي تجد نفسها مضطرة لإثبات استقامتها بشكل مبالغ فيه لتنال القبول.أ
أثر القضية الكردية والتحولات الاستراتيجية
يلفت كاراتاش الانتباه إلى “عامل أوجلان” كمتغير محوري، حيث تسبب دعوته للتوحد تحت راية الإسلام في حدوث شرخ داخل الوسط العلوي الكردي، الذي يجد نفسه ممزقاً بين علمانية الزعيم الكردي صلاح الدين دميرتاش المعتقل وبين التوجهات الجديدة. ويرى الأكاديمي التركي أن العلويين العلمانيين والاشتراكيين، الذين يشكلون عصب الجمعيات، يميلون حالياً نحو “أوزغور أوزيل” لأنه يخاطب روح المقاومة لديهم مستحضراً إرث “بير سلطان أبدال”، بينما يظل “الديدا” والتقليديون في صف كليتشدار أوغلو بدافع الانتماء للسلالة أو الرغبة في مهادنة الدولة لضمان صعود أبنائهم في السلم البيروقراطي.
خلاصة
يحلل حيدر كاراتاش الانقسام العلوي كناتج لعملية هندسة سياسية ولاهوتية تهدف لتفتيت كتلتهم التاريخية، محذراً من أن تحويل العلويين من قوة احتجاجية علمانية إلى كيانات لاهوتية مهادنة يخدم استراتيجية السلطة في إفراغ المعارضة من محتواها الشعبي.

