فتحت النيابة العامة في إسطنبول تحقيقا بحق الصحفي التركي المخضرم أرطغرل أوزكوك، على خلفية تصريحات أدلى بها خلال مشاركته في برنامج سياسي بُث عبر منصة “يوتيوب”، اعتبرت السلطات أنها قد تندرج ضمن جريمة “إهانة رئيس الجمهورية”، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل المستمر بشأن حدود حرية التعبير في تركيا واستخدام التشريعات الجنائية المتعلقة بحماية الرئيس.
ولم تكشف النيابة العامة في إسطنبول عن العبارات التي استند إليها التحقيق، كما لم تصدر حتى الآن لائحة اتهام رسمية، الأمر الذي أبقى تفاصيل الملف غير معلنة، باستثناء الإشارة إلى أن التحقيق انطلق بعد مراجعة التصريحات التي أدلى بها أوزكوك خلال البرنامج الذي تقدمه الصحفية بهار فيزان.
انتقاد للنظام السياسي وليس لشخص الرئيس
خلال الحوار، تناول أرطغرل أوزكوك طبيعة النظام السياسي التركي، معتبرا أن بنيته الحالية تشكلت إلى حد كبير حول شخصية الرئيس رجب طيب أردوغان، وأن استمرار هذا النموذج بالصيغة نفسها بعد انتهاء المرحلة الحالية يبدو أمرا غير قابل للاستدامة.
واستحضر الصحفي المخضرم تجربته الشخصية عندما كان طالبا في إسبانيا خلال السنوات الأخيرة من حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو، في سياق حديثه عن الأنظمة السياسية التي تتمحور حول زعيم واحد، مشيرا إلى أن مثل هذه المراحل التاريخية تنتهي في نهاية المطاف مهما طال أمدها.
وقال إن “هذه الفترات تمر”، مضيفا أنه لا يعتقد أن أي شخصية سياسية أخرى ستكون قادرة على المحافظة على النظام الحالي بالشكل نفسه بعد أردوغان.
دعوة إلى إصلاحات لتعزيز فرص أردوغان السياسية
لم تقتصر تصريحات أوزكوك على توصيف المشهد السياسي، بل تضمنت أيضا دعوة مباشرة للرئيس أردوغان وسائر القيادات السياسية إلى التفكير في مستقبل تركيا على المدى البعيد.
ورأى أن الرئيس التركي سيكون أكثر قدرة على الفوز في أي انتخابات مقبلة إذا اتخذ خطوات تعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وعلى رأسها: ترسيخ استقلال منظومة العدالة، وتعزيز حماية حقوق الإنسان، واعتماد الكفاءة والخبرة معيارا أساسيا في التعيينات داخل مؤسسات الدولة بدلا من الولاء السياسي، وتوسيع هامش حرية الإعلام والصحافة.
وبحسب أوزكوك، فإن مثل هذه الإصلاحات من شأنها أن تقوي النظام السياسي وتزيد من شرعيته الداخلية والخارجية.
الحزب الحاكم يرفض المقارنة بفرانكو
أثارت تصريحات أوزكوك ردود فعل سريعة داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم.
فقد انتقد المتحدث باسم الحزب، عمر جليك، ما ورد في حديث الصحفي، مؤكدا أن الرئيس رجب طيب أردوغان وصل إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية متعاقبة، وليس من خلال انقلاب أو نظام ديكتاتوري.
واعتبر جليك أن استحضار تجربة الجنرال الإسباني فرانكو في سياق الحديث عن أردوغان يمثل مقارنة تفتقر إلى المنطق والحكم السليم، مؤكدا أن النظام السياسي التركي يستند إلى الإرادة الشعبية والانتخابات.
شائعات حول مغادرته تركيا
تزامن الإعلان عن فتح التحقيق مع وجود أرطغرل أوزكوك خارج البلاد، الأمر الذي دفع بعض الأصوات المقربة من الحكومة إلى التلميح بأنه غادر تركيا خشية الملاحقة القضائية.
غير أن أوزكوك نفى هذه المزاعم عبر الصحفية بهار فيزان، موضحا أنه كان موجودا في ألمانيا للمشاركة في مهرجان بايرويت الموسيقي، وأن رحلته كانت مبرمجة مسبقا، مؤكدا أنه يحمل تذكرة عودة إلى تركيا، ولا ينوي البقاء في الخارج.
أحد أبرز الأسماء في الصحافة التركية
يعد أرطغرل أوزكوك من أبرز الصحفيين الأتراك خلال العقود الأخيرة.
ويعمل حاليا كاتبا في موقع 10Haber الإخباري، بينما اشتهر على نطاق واسع خلال فترة توليه رئاسة تحرير صحيفة حرييت، إحدى أكثر الصحف التركية تأثيرا، وهو المنصب الذي شغله لنحو عشرين عاما، وكان خلالها من أبرز الوجوه الإعلامية في البلاد.
المادة 299… محور دائم للجدل
يستند التحقيق إلى المادة 299 من قانون العقوبات التركي، التي تجرم إهانة رئيس الجمهورية.
وتنص هذه المادة على عقوبة بالسجن تتراوح بين سنة وأربع سنوات، مع إمكانية زيادة العقوبة بمقدار السدس إذا ارتكبت الجريمة عبر وسائل الإعلام أو النشر.
وخلال السنوات الماضية، استخدمت هذه المادة في ملاحقة آلاف الأشخاص، من بينهم صحفيون وسياسيون معارضون وأكاديميون وناشطون ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي، ما جعلها إحدى أكثر النصوص القانونية إثارة للجدل داخل تركيا.
انتقادات أوروبية متواصلة
يثير استمرار تطبيق المادة 299 انتقادات متكررة من المؤسسات الحقوقية الأوروبية والدولية.
ففي عام 2021، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن تطبيق تركيا لهذه المادة يتعارض مع مبدأ حرية التعبير المنصوص عليه في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وأكدت المحكمة في حكمها أن رؤساء الدول لا ينبغي أن يتمتعوا بحماية جنائية خاصة ضد الانتقادات السياسية، معتبرة أن القوانين الخاصة بإهانة الرئيس تفرض قيودا غير متناسبة على حرية التعبير.
ورغم هذا الحكم، واصلت السلطات التركية استخدام المادة نفسها في ملاحقة منتقدي الحكومة، بما في ذلك الصحفيون والمعارضون السياسيون وشخصيات المجتمع المدني.

