بقلم: ياوز أجار
لم يكن الاجتماع الذي احتضنه البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل مثّل محطة مفصلية في توقيت شديد الحساسية؛ حيث تسعى القوى الإقليمية لإعادة تموضعها عقب المواجهات العسكرية مع إيران، واستمرار نزيف الحرب في قطاع غزة، فضلاً عن الجمود الذي يكتنف الملف اللبناني والغموض المحيط بمستقبل العلاقات مع طهران. ورغم شح المعلومات الرسمية واكتفاء الإدارة الأمريكية بوصف اللقاء بأنه “إيجابي ومثمر”، إلا أن الجوهر الحقيقي للاجتماع تجاوز التفاهمات اللحظية ليركز على ترميم التصدعات التي طفت على السطح مؤخراً، والتأكيد للعالم أن التحالف العضوي بين واشنطن وتل أبيب يظل عصياً على الانكسار رغم التباينات العلنية.
ما وراء الخصومة الشخصية: تباين في التكتيك ووحدة في الأهداف
مرت العلاقة بين القطبين بمرحلة من الفتور والتوتر المكتوم، بلغت ذروتها خلال مفاوضات التهدئة مع إيران، وما تلاها من صدام عسكري مباشر بين واشنطن وطهران في يوليو الماضي. وقد تجلى هذا التوتر في تصريحات ترامب الذي وصف نتنياهو بـ “الرجل الصعب”، معبراً عن استيائه من استمرار العمليات العسكرية، خاصة في لبنان، في وقت كانت واشنطن تراهن فيه على المسار الدبلوماسي مع إيران. ورغم إقرار ترامب باستخدامه لغة قاسية في اتصالاته مع نتنياهو، إلا أن القراءة العميقة للمشهد تؤكد أن الخلاف لا يمس الثوابت الاستراتيجية؛ فكلا الطرفين يلتقيان عند ضرورة تقويض النفوذ الإيراني، وشل حركة المقاومة المسلحة، وضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل. إن ما يفرق بينهما ليس الهدف النهائي، بل هو “فن إدارة الأزمة”، وتوقيت استخدام القوة الخشنة بما لا يتعارض مع المصالح الأمريكية الكبرى في المنطقة.
معضلة طهران: ميزان الردع وهوامش المناورة
تتصدر إيران أجندة الأولويات المشتركة، حيث تسير واشنطن على حبل مشدود بين مسارين: استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية لمنع طهران من امتلاك زمام المبادرة، مع الإبقاء على نافذة التفاوض مفتوحة لتجنب الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة. وفي المقابل، تتبنى إسرائيل رؤية أكثر صرامة، معتبرة إيران تهديداً وجودياً يتطلب تنسيقاً أمنياً عالي المستوى مع البيت الأبيض، مع الاحتفاظ بحقها الكامل في تنفيذ ضربات استباقية عند الضرورة القصوى. هذا التباين في المقاربة يعكس اختلافاً في تقدير الموقف لا في طبيعة التهديد نفسه.
الجبهات المفتوحة: استعصاء المسارات في غزة ولبنان
لم تغب تعقيدات الميدان عن طاولة البحث؛ فالاتفاق الإطاري الذي تقوده واشنطن بين إسرائيل ولبنان لا يزال يصطدم بعقبات التواجد العسكري الإسرائيلي في الجنوب، مما يبقي صاعق التفجير قائماً. أما في قطاع غزة، فإن المشهد يزداد قتامة مع تفاقم الكارثة الإنسانية وانسداد الأفق السياسي لإعادة الإعمار، وهو ما يضع الإدارة الأمريكية تحت ضغوط دولية هائلة للموازنة بين دعمها المطلق لتل أبيب وبين المطالبات بوقف الحرب.
إعادة رسم الخارطة: أولوية “أبراهام” وتراجع الملف الفلسطيني
تشير التوجهات الراهنة لإدارة ترامب إلى إزاحة القضية الفلسطينية عن مركز الصدارة لصالح توسيع “اتفاقات أبراهام” ودمج إسرائيل في نسيج تحالفات إقليمية واسعة. وترى واشنطن أن بناء كتلة إقليمية متماسكة هو الرد الاستراتيجي الأنجع لمواجهة التغلغل الإيراني والمد الصيني والروسي في المنطقة. وبناءً عليه، يتركز الجهد الأمريكي على تثبيت الاستقرار الإقليمي الذي يخدم مشاريع التطبيع، بدلاً من استهلاك الموارد في إحياء مفاوضات سلام تقليدية لا تبدو في متناول اليد حالياً.
الرسائل الموجهة وحسابات الصناديق
يحمل الظهور المشترك لترامب ونتنياهو رسائل ردع واضحة لكل من طهران وبيروت والعواصم العربية، مفادها أن الخلافات التكتيكية ليست مؤشراً على ضعف التحالف أو تراجع الالتزامات الأمنية الأمريكية. ومع ذلك، فإن الحسابات الانتخابية تفرض ثقلها؛ فنتنياهو يصارع لاستعادة شعبيته المتآكلة بعد إخفاقات السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ وتبعات الحرب المنهكة. أما ترامب، فيواجه تحدي التوفيق بين شعاره “إنهاء الحروب” وبين انخراط إدارته في صراع مع إيران قد ينفّر قاعدته الشعبية التي تفضل الانكفاء على القضايا الداخلية.
ظلال القانون الدولي: مذكرات التوقيف تلاحق الزيارة
لم يكن اللقاء بمعزل عن الملاحقات القانونية الدولية؛ إذ ألقت مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر ٢٠٢٤ بحق نتنياهو ويوآف غالانت بظلالها على كواليس الزيارة. وقد تجلى هذا الحرج في المسارات الجوية التي سلكتها طائرة نتنياهو، وتجنبها أجواء الدول الموقعة على نظام روما الأساسي، كما حدث في رحلته إلى نيويورك في سبتمبر ٢٠٢٥، خشية أي هبوط اضطراري قد يؤدي لتنفيذ المذكرة.
خلاصة المشهد: إعادة تنظيم التحالف
تؤكد معطيات قمة واشنطن أن الرهان على انهيار العلاقة بين ترامب ونتنياهو هو رهان خاسر؛ فالخلافات ليست سوى تباين في أساليب إدارة الأزمات داخل مشروع سياسي وأمني واحد. إن الهدف الحقيقي للقاء كان إعادة تنظيم الخلاف ووضعه في إطاره الطبيعي، بما يضمن احتواء إيران والحفاظ على التفوق الإسرائيلي مع اختلاف طفيف في ترتيب الأولويات ومساحات الدبلوماسية المتاحة.

