أعلنت حكومة الجبل الأسود (مونتينيغرو) إنهاء العمل بنظام الإعفاء من تأشيرة الدخول للمواطنين الأتراك، على أن يبدأ تطبيق القرار اعتبارًا من الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في خطوة تندرج ضمن مساعي البلاد لتوحيد سياساتها المتعلقة بالتأشيرات مع قواعد الاتحاد الأوروبي، ضمن مسار انضمامها إلى التكتل الأوروبي.
وبذلك، ستنتهي اتفاقية استمرت قرابة ثمانية عشر عامًا، جعلت من الجبل الأسود إحدى أكثر الوجهات الأوروبية سهولة بالنسبة للمواطنين الأتراك، سواء للسياحة أو الاستثمار أو الإقامة.
القرار يشمل عدة دول
أوضحت الحكومة أن المواطنين القادمين من تركيا وروسيا وبيلاروسيا والصين والسعودية سيستمرون في الاستفادة من النظام الحالي حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، على أن يصبح الحصول على تأشيرة شرطًا إلزاميًا لدخول البلاد ابتداءً من اليوم التالي.
وجاء القرار بعد اعتماد تعديلات رسمية في 23 يوليو/تموز، أكدت الحكومة أنها تحقق المواءمة الكاملة بين سياسة التأشيرات الوطنية وسياسة الاتحاد الأوروبي.
خطوة مرتبطة بمفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي
أكدت السلطات في بودغوريتسا أن تعديل نظام التأشيرات يمثل أحد المتطلبات الأخيرة اللازمة لإغلاق الفصل الرابع والعشرين من مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو الفصل الذي يتناول ملفات العدالة والحرية والأمن.
وتحمل هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للجبل الأسود، الذي يتمتع بصفة الدولة المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2010، ويأمل في استكمال مفاوضات العضوية والانضمام رسميًا إلى الاتحاد بصفته العضو الثامن والعشرين بحلول عام 2028.
وأضافت الحكومة أن الالتزام الكامل بهذه المعايير سيتيح للبلاد الحصول على نحو 4 ملايين يورو ضمن برنامج الاتحاد الأوروبي للنمو المخصص لدول غرب البلقان، وهو ما يمنح القرار بعدًا اقتصاديًا إلى جانب أبعاده السياسية.
تسهيلات لتخفيف آثار القرار
في محاولة للحد من انعكاسات القرار على قطاعي السياحة والأعمال، أعلنت وزارة الخارجية في الجبل الأسود أنها تعمل على جعل إجراءات الحصول على التأشيرة أكثر سهولة بالنسبة للمواطنين الأتراك.
وبموجب اتفاق مع شركة VFS Global المتخصصة في خدمات التأشيرات، سيتمكن الأتراك من تقديم طلباتهم عبر مراكز الشركة داخل تركيا، بدلًا من الاقتصار على السفارات والقنصليات التابعة للجبل الأسود.
كما كشفت الحكومة عن تطوير نظام معلومات جديد للتأشيرات، يهدف مستقبلًا إلى إطلاق خدمة التأشيرة الإلكترونية بما يسمح بتقديم الطلبات عبر الإنترنت، في إطار تحديث الخدمات القنصلية.
ثاني تغيير خلال أقل من عام
يمثل القرار الحالي ثاني تعديل كبير يطرأ على نظام سفر المواطنين الأتراك إلى الجبل الأسود خلال أقل من عام.
ففي أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، علقت السلطات مؤقتًا العمل بالإعفاء من التأشيرة عقب حادث طعن شهدته العاصمة بودغوريتسا، بعدما وُجهت في البداية اتهامات إلى مواطنين أتراك بالتورط في الحادث، الأمر الذي أثار احتجاجات واعتداءات استهدفت أفرادًا من الجالية التركية.
لكن التحقيقات القضائية انتهت إلى تبرئة المواطنين التركيين اللذين أوقفا على خلفية القضية، حيث قضت المحكمة بعدم وجود أي صلة لهما بالهجوم، وأمرت بالإفراج عنهما.
وفي أعقاب ذلك، أعادت الحكومة العمل بالإعفاء من التأشيرة في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، لكنها خفضت مدة الإقامة المسموح بها للمواطنين الأتراك من 90 يومًا إلى 30 يومًا خلال فترة تمتد إلى 180 يومًا.
وبررت السلطات حينها القرار بالرغبة في الحد من الهجرة غير النظامية، ومواءمة سياساتها مع المعايير الأوروبية، مع التحذير من إمكانية إعادة فرض التأشيرات إذا ظهرت تهديدات أمنية.
أما القرار الجديد، فيختلف عن الإجراءات السابقة، إذ لا يرتبط بحادث أمني معين، وإنما يمثل تعديلًا دائمًا ضمن التزامات الجبل الأسود تجاه الاتحاد الأوروبي.
وجهة مفضلة للأتراك
خلال السنوات الأخيرة، تحولت مونتينيغرو إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية للمواطنين الأتراك، بفضل موقعها على ساحل البحر الأدرياتيكي، وقصر مدة الرحلات الجوية القادمة من تركيا، إضافة إلى سهولة الدخول دون تأشيرة.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء في الجبل الأسود MONSTAT إلى أن البلاد استقبلت 134,266 سائحًا تركيًا خلال عام 2025، وهو ما يمثل 5.3 بالمئة من إجمالي السياح الأجانب.
كما سجل السياح الأتراك 640,092 ليلة مبيت، بما يعادل 4.3 بالمئة من إجمالي ليالي إقامة الزوار الأجانب.
وتختلف هذه الأرقام عن تقديرات سابقة كانت تتحدث عن زيارة نحو 320 ألف مواطن تركي للجبل الأسود سنويًا.
حضور تركي اقتصادي وسكاني متزايد
لا يقتصر الوجود التركي في الجبل الأسود على السياحة فقط، بل يمتد إلى الاستثمار والإقامة.
فقد أعلن وزير الداخلية دانيلو شارانوفيتش في أواخر عام 2025 أن نحو 13 ألف مواطن تركي يحملون تصاريح إقامة مؤقتة أو دائمة داخل البلاد، من أصل ما يقارب 100 ألف أجنبي يقيمون في الجبل الأسود.
وفي الجانب الاقتصادي، أفاد تقرير أصدرته غرفة الأعمال التركية في الجبل الأسود TurkCham Montenegro في يوليو/تموز 2024 بأن نحو 9500 شركة مملوكة لأتراك مسجلة رسميًا في البلاد، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم يشمل شركات قد لا تكون جميعها نشطة فعليًا.
علاقات ثنائية تمتد منذ الاستقلال
تعد تركيا من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال الجبل الأسود عقب انفصاله عن صربيا في يونيو/حزيران 2006.
وفي يناير/كانون الثاني 2008، وقع البلدان اتفاقية للإعفاء المتبادل من التأشيرات، دخلت حيز التنفيذ في مايو/أيار من العام نفسه، وكانت تسمح لحاملي جوازات السفر العادية والدبلوماسية والخاصة وجوازات الخدمة بالإقامة لمدة تصل إلى 90 يومًا خلال أي فترة تمتد إلى 180 يومًا.
كما يرتبط البلدان بمجموعة من الاتفاقيات الثنائية تشمل اتفاقية التجارة الحرة، والتعاون الاقتصادي، وحماية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة.
وكان قادة البلدين قد أعلنوا عام 2021 عن هدف مشترك يتمثل في رفع حجم التبادل التجاري الثنائي إلى 250 مليون دولار.

