أسدل القضاء الأمريكي الستار على فصل جديد من قضية رجل الأعمال التركي-الإيراني رضا ضراب، أحد أبرز المتهمين ثم الشهود المتعاونين في قضية العقوبات الأمريكية على إيران، وذلك بعد أن قضت محكمة اتحادية في نيويورك بعدم فرض أي عقوبة سجن إضافية عليه، مكتفيةً بالمدة التي قضاها سابقاً رهن الاحتجاز والإقامة الجبرية والقيود القضائية.
ويأتي الحكم بعد سنوات من تعاون ضراب مع السلطات الأمريكية، وبعد أقل من شهر على إنهاء الدعوى الجنائية المقامة ضد خلق بنك (Halkbank)، في تطور يعكس نهاية أحد أكثر الملفات القضائية والسياسية تعقيداً في العلاقات التركية الأمريكية.
الحكم النهائي: الاكتفاء بالمدة السابقة
أصدر قاضي المحكمة الفيدرالية في مانهاتن ريتشارد بيرمان حكمه بحق رضا ضراب، مكتفياً بما يعرف قانونياً بـ”المدة المقضية” (Time Served)، وهو ما يعني عدم إلزامه بقضاء أي فترة سجن إضافية.
وجاء القرار بعد أن طالب الادعاء العام الأمريكي المحكمة بمراعاة مستوى التعاون الكبير الذي قدمه ضراب طوال سنوات التحقيقات والمحاكمات، معتبراً أن مساهمته كانت حاسمة في كشف تفاصيل شبكة واسعة للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران.
كيف تحوّل من متهم إلى شاهد رئيسي؟
بدأت القضية عندما أُلقي القبض على رضا ضراب في الولايات المتحدة في مارس/آذار 2016، حيث دفع في البداية ببراءته من التهم المنسوبة إليه.
لكن مسار القضية تغير بصورة جذرية في السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2017، بعدما أقرّ بذنبه في تهم تتعلق بالتآمر والاحتيال المصرفي وغسل الأموال، ووافق على التعاون مع وزارة العدل الأمريكية.
وأصبح بعد ذلك الشاهد الأبرز في المحاكمة التي استهدفت نائب المدير العام السابق لخلق بنك محمد هاكان أتيلا.
شهادة استمرت سبعة أيام
قدّم ضراب شهادة استمرت سبعة أيام أمام المحكمة، شرح خلالها الآليات التي قال إنها استخدمت للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
وبحسب إفادته، كانت عائدات النفط الإيراني المودعة في حسابات مقيدة داخل خلق بنك تُحوّل عبر تجارة الذهب، إضافة إلى معاملات تجارية صورية تتعلق بتصدير المواد الغذائية، بهدف إخفاء الطبيعة الحقيقية للأموال والالتفاف على القيود المالية الأمريكية.
وقد شكّلت هذه الشهادة أحد أهم الأدلة التي استند إليها الادعاء الأمريكي في القضية.
إدانة هاكان أتيلا
في يناير/كانون الثاني 2018، أدين محمد هاكان أتيلا بعدة تهم مرتبطة بانتهاك العقوبات الأمريكية.
وحكم عليه بالسجن لمدة اثنين وثلاثين شهراً، قبل أن يُفرج عنه ويعود إلى تركيا عام 2019 بعد إكمال مدة محكوميته.
دفاع ضراب: سنوات من القيود والخسائر
طالب فريق الدفاع عن رضا ضراب المحكمة بعدم فرض أي عقوبة إضافية، موضحاً أنه أمضى اثنين وعشرين شهراً في السجن، وخمسة أشهر تحت الإقامة الجبرية المشددة، وخمسة وتسعين شهراً خاضعاً لشروط إفراج مقيدة للغاية.
وأشار محاموه إلى أن موكلهم تكبد خسائر مالية كبيرة، كما تعرض، بحسب مذكرتهم، لتهديدات نتيجة تعاونه مع السلطات الأمريكية.
الادعاء: تعاون كامل وموثوق
في مذكرة رفعها إلى المحكمة، وصف الادعاء الأمريكي تعاون ضراب بأنه كان “صادقاً وكاملاً وموثوقاً”.
وأكد أن المعلومات التي قدمها لم تقتصر على شهادته أمام المحكمة، بل ساهمت بصورة جوهرية في كشف تفاصيل شبكة الالتفاف على العقوبات، وفي دعم القضية ضد هاكان أتيلا.
إغلاق قضية خلق بنك
جاء الحكم على ضراب بعد أقل من شهر من قرار القاضي نفسه إسقاط الدعوى الجنائية ضد خلق بنك، بموجب اتفاق توصل إليه البنك مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وكان البنك قد وُجهت إليه عام 2019 اتهامات تتعلق بالاحتيال وغسل الأموال وانتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
واتهم الادعاء الأمريكي البنك بالمشاركة في نقل نحو عشرين مليار دولار من الأموال الإيرانية الخاضعة للعقوبات، عبر تحويل عائدات النفط إلى ذهب ونقد، واستخدام صفقات غذائية وهمية لإخفاء طبيعة التحويلات.
كما قالت السلطات الأمريكية إن ما لا يقل عن مليار دولار من تلك الأموال مر عبر النظام المالي الأمريكي.
في المقابل، نفى خلق بنك جميع الاتهامات، وأكد براءته من أي مخالفات.
اتفاق أنهى القضية دون إدانة
بموجب الاتفاق الذي أعلن في مارس الماضي، لم يُطلب من خلق بنك الاعتراف بأي مسؤولية جنائية، كما لم تُفرض عليه أي غرامة مالية.
وفي المقابل، التزم البنك بعدم تنفيذ أي معاملات مالية تعود بالفائدة على إيران مستقبلاً.
كما استعان بالفرع التركي لشركة التدقيق الدولية إرنست ويونغ (Ernst & Young) لإجراء مراجعة شاملة لأنظمة الامتثال الخاصة بالعقوبات ومكافحة غسل الأموال.
وأفاد الادعاء الأمريكي بأن المراجعة لم تكشف عن أي حالات عدم امتثال، الأمر الذي دفع وزارة العدل إلى طلب إسقاط القضية، وهو الطلب الذي وافق عليه القاضي ريتشارد بيرمان في السابع عشر من يونيو/حزيران، منهياً بذلك ملفاً استمر لسنوات وألقى بظلاله على العلاقات بين أنقرة وواشنطن.
البعد السياسي للقضية
ربطت وزارة العدل الأمريكية التوصل إلى الاتفاق مع خلق بنك بالدور الذي لعبته تركيا في الجهود الدبلوماسية التي أفضت إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس عام 2025.
وأوضحت الوزارة أن أنقرة شاركت في مفاوضات شملت إطلاق سراح رهائن واستعادة رفات ضحايا، وهو ما اعتبرته واشنطن جزءاً من السياق السياسي الذي رافق تسوية القضية.
كما تزامنت هذه التطورات مع تحسن ملحوظ في العلاقات التركية الأمريكية بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025.
وخلال السنوات الماضية، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يصف قضية خلق بنك بأنها “غير قانونية” و”قبيحة”، معتبراً أنها تستهدف تركيا سياسياً.
الارتباط بقضية فساد عام 2013
اكتسبت قضية رضا ضراب اهتماماً واسعاً داخل تركيا، لأنها تداخلت مع تحقيقات الفساد التي انفجرت في ديسمبر/كانون الأول 2013.
وشملت تلك التحقيقات وزراء سابقين وكبار المسؤولين ورجال أعمال مقربين من الحكومة.
وخلال شهادته أمام القضاء الأمريكي، قال ضراب إنه دفع عشرات ملايين الدولارات على شكل رشاوى لوزير الاقتصاد التركي الأسبق ظافر تشاغلايان مقابل تسهيل عمليات الالتفاف على العقوبات.
غير أن تشاغلايان نفى هذه الاتهامات بصورة قاطعة.
ما الذي حدث لتحقيقات الفساد في تركيا؟
كان رضا ضراب المتهم الرئيسي في تحقيقات الفساد التي جرت داخل تركيا عام 2013، إلا أن تلك التحقيقات أُوقفت لاحقاً، ولم تُستكمل إجراءات الملاحقة القضائية بحقه.
ورأت الحكومة التركية آنذاك أن التحقيقات كانت جزءاً مما وصفته بمحاولة “انقلاب قضائي” نفذها أفراد قالت إنهم ينتمون إلى حركة فتح الله كولن، وهو الاتهام الذي نفته الحركة باستمرار.
وفي أعقاب ذلك، أعيد توزيع أو فصل عدد كبير من ضباط الشرطة وأعضاء النيابة العامة الذين شاركوا في التحقيقات.
كما رفض البرلمان التركي إحالة أربعة وزراء سابقين وردت أسماؤهم في القضية إلى المحكمة العليا لمحاكمتهم.
التطورات الأخيرة وانعكاساتها
يمثل الحكم النهائي بحق رضا ضراب، إلى جانب إسقاط القضية ضد خلق بنك، مؤشراً على إغلاق أحد أكثر الملفات القضائية تعقيداً بين الولايات المتحدة وتركيا.
ويأتي ذلك في ظل مرحلة تشهد تقارباً نسبياً بين البلدين، بعد سنوات من الخلافات التي شملت ملفات العقوبات، ومنظومة الدفاع الروسية، والسياسات الإقليمية.
ومع ذلك، لا تزال قضية خلق بنك وتحقيقات فساد 2013 تحظى بحضور قوي في النقاش السياسي التركي، باعتبارها من أكثر القضايا ارتباطاً بالعلاقة بين القضاء والسياسة، وكذلك بالعلاقات التركية الأمريكية.

