في الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الغامضة التي شهدتها تركيا في 15 يوليو/تموز 2016، أعلنت السلطات التركية عن إطلاق حملة أمنية جديدة شملت مختلف أنحاء البلاد، استهدفت أشخاصًا يُشتبه في ارتباطهم بـحركة كولن، وسط استمرار الجدل الداخلي والدولي حول طبيعة هذه الإجراءات ومدى توافقها مع معايير المحاكمة العادلة وسيادة القانون.
وبحسب تصريحات رسمية، صدرت أوامر توقيف بحق 968 شخصًا في عموم تركيا، بدعوى أنهم من “المتطوعين أو المناصرين” لحركة الخدمة، التي تحملها الحكومة التركية مسؤولية محاولة الانقلاب، بينما تنفي الحركة بشكل قاطع أي دور لها في الأحداث وتطالب منذ سنوات بإجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف.
وتأتي هذه الحملة ضمن سلسلة من العمليات الأمنية والقضائية التي بدأت عقب محاولة الانقلاب واستمرت طوال عقد كامل، حيث تؤكد منظمات حقوقية وانتقادات صادرة عن مؤسسات أوروبية أن العديد من هذه الإجراءات اتسمت بالطابع الجماعي واعتمدت على أدلة مثار جدل، فيما تقول الحكومة التركية إنها تأتي في إطار مكافحة تنظيم تعتبره تهديدًا للأمن القومي.
وزير العدل يعلن العملية من 81 ولاية
أعلن وزير العدل التركي أكين غورليك بدء العملية الأمنية في جميع الولايات التركية الـ81، مشيرًا إلى أن الحملة تأتي بالتزامن مع مرور الذكرى العاشرة لأحداث 15 يوليو.
وخلال تصريحاته، وجّه غورليك الشكر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مستخدمًا عبارة “أتقدم بالشكر والامتنان”، كما أعرب عن تقديره لوزير الداخلية مصطفى تشيفتشي، في سياق إشادته بجهود مؤسسات الدولة في مواجهة ما وصفه بمحاولات زعزعة الاستقرار.
ولم تقتصر تصريحات الوزير على العملية الجديدة، بل تضمنت أيضًا عرضًا لأرقام واسعة حول الإجراءات القضائية التي اتخذت بحق أشخاص متهمين بالارتباط بحركة كولن منذ عام 2016.
أكثر من 720 ألف شخص خضعوا لإجراءات قضائية منذ 2016
كشف وزير العدل التركي أن عدد الأشخاص الذين خضعوا لإجراءات قضائية في الملفات المرتبطة بحركة كولن بلغ حتى الآن 720 ألفًا و338 شخصًا.
وأوضح أن المسار القضائي اكتمل بالنسبة إلى 636 ألفًا و934 شخصًا، بينما لا تزال التحقيقات والمحاكمات مستمرة بحق 83 ألفًا و404 أشخاص.
ووفق الأرقام التي أعلنها الوزير، فقد صدر حكم بالإدانة بحق 127 ألفًا و102 شخص، في حين حصل 124 ألفًا و743 شخصًا على أحكام بالبراءة.
وتأتي هذه الأرقام في ظل استمرار نقاش واسع حول طبيعة القضايا التي فُتحت بعد محاولة الانقلاب، حيث تشير منظمات حقوق الإنسان إلى أن بعض المحاكمات اعتمدت على معايير إثبات غير واضحة، بينما تؤكد السلطات التركية أن الإجراءات استهدفت أفرادًا ثبتت صلاتهم بهياكل غير قانونية.
آلاف الاعتقالات وعمليات أمنية مستمرة خلال عام 2026
قال غورليك إن السلطات التركية نفذت خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري1065 عملية أمنية استهدفت ما وصفه بـ”البنية الحالية” لحركة كولن.
وأضاف أن هذه العمليات أسفرت عن توقيف 2451 شخصًا.
وتؤكد الحكومة التركية أن هذه الحملات تهدف إلى تفكيك الشبكات التي تقول إنها ما زالت ناشطة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، بينما يرى منتقدون أن استمرار العمليات بعد عشر سنوات من الأحداث يثير تساؤلات حول حدود مفهوم الأمن القومي واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب في ملاحقة المعارضين أو المخالفين.
انتهاء جميع قضايا الانقلاب أمام المحاكم الابتدائية
وفيما يتعلق بمحاكمات محاولة الانقلاب، أعلن وزير العدل أن جميع 289 قضية انقلاب فعلية وصلت إلى نهايتها أمام المحاكم الابتدائية.
وأوضح أن الأحكام الصادرة تضمنت الحكم بالسجن المؤبد المشدد على 1634 شخصًا، والحكم بالسجن المؤبد على 1366 شخصًا، وأحكام بالسجن لفترات محددة بحق 1891 شخصًا. وبذلك بلغ عدد الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام إدانة في هذه الملفات 4891 شخصًا.
كما أشار غورليك إلى أن المحكمة العليا التركية نظرت في الملفات المحالة إليها، موضحًا أن من أصل 271 ملفًا أُرسل إليها، تم تثبيت أحكام 236 ملفًا وأصبحت نهائية.
أكثر من عشرة آلاف شخص في السجون على خلفية قضايا كولن والانقلاب
بحسب بيانات وزارة العدل التركية، يبلغ عدد الأشخاص الموجودين في المؤسسات الإصلاحية بسبب ملفات مرتبطة بحركة كولن ومحاولة الانقلاب 10 آلاف و485 شخصًا.
وتوزعت أوضاعهم القانونية وفق البيانات الرسمية على النحو التالي: 48شخصًا قيد التوقيف الاحتياطي، و375 شخصًا صدرت بحقهم أحكام أولية بانتظار مراحل قانونية لاحقة، و9630 شخصًا يقضون أحكامًا نهائية.
كما أعلن الوزير وجود أوامر بحث واعتقال بحق 33 ألفًا و827 شخصًا آخرين.
“المواجهة مستمرة حتى إزالة آخر عنصر”.. تصريحات تعكس استمرار السياسة الأمنية
أكد أكين غورليك أن ما وصفه بـ”مكافحة حركة كولن” سيستمر “حتى القضاء على آخر عنصر”، وهي عبارة تعكس استمرار النهج الأمني الذي تبنته الحكومة التركية منذ عام 2013 حيث ظهرن فضائح فساد حكومية .
ومنذ إعلان حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب، شهدت تركيا أكبر حملة تطهير في تاريخ الجمهورية الحديثة، شملت مؤسسات الدولة والجيش والقضاء والتعليم والإعلام والمجتمع المدني.
وقد أقرت مؤسسات أوروبية بحق تركيا في التحقيق مع المسؤولين عن محاولة الانقلاب، لكنها أعربت في الوقت نفسه عن قلقها من حجم الإجراءات الجماعية، وتأثيرها على استقلال القضاء، وضمانات المحاكمة العادلة، والحريات الأساسية.
سياق أوسع: عشر سنوات من ملف لم يُغلق
بعد مرور عقد على أحداث 15 يوليو، لا يزال ملف الانقلاب يمثل أحد أكثر القضايا حساسية وانقسامًا في تركيا.
فالحكومة التركية تعتبر الإجراءات الواسعة التي اتخذتها ضرورة لحماية الدولة من تهديد تنظيمي خطير، على حد تعبيرها، بينما يرى منتقدون محليون ودوليون أن بعض العمليات تجاوزت محاسبة المتورطين المباشرين لتشمل شرائح واسعة بناءً على تهم فضفاضة مثل الانتماء أو التعاطف أو استخدام خدمات اعتُبرت لاحقًا مؤشرات على الارتباط بالحركة.
ولا تزال قضية حركة كولن واحدة من أبرز الملفات التي تؤثر في علاقة تركيا بالمؤسسات الحقوقية الأوروبية، خصوصًا في ظل أحكام وقرارات صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان انتقدت بعض جوانب الإجراءات القضائية في قضايا مرتبطة بالملف.

