يرى المحلل السياسي التركي أَمْرَه أوسلو أن الذكرى العاشرة لأحداث ١٥ تموز ٢٠١٦ تمثل نقطة تحول في محاولة النظام التركي صياغة سردية وطنية بديلة، حيث يصف هذه أحداث الانقلاب الفاشل بأنها “عملية راية زائفة” مُدبرة مسبقا بهدف نقل الدولة من النظام البرلماني إلى “ديكتاتورية” مطلقة.
ويوضح أوسلو، في تحليل قدمه عبر صفحته على يتويوب، أن رئاسة الاتصال في الجمهورية التركية أصدرت تعميماً لجميع الولايات لرسم إطار احتفالي ضخم لهذه الذكرى، تضمن إقامة خيام وفعاليات رياضية ومسيرات، في محاولة لترسيخ ما يسميه النظام “الذاكرة الوطنية”.
هندسة الذاكرة الوطنية واستنساخ النموذج الكمالي
أوسلو الذي كان من أبرز كتاب صحيفة “طرف” الليبرالية، يعقد مقارنة جوهرية بين ممارسات حزب العدالة والتنمية الحالية وما كان يقوم به النظام “الكمالي” سابقاً، معتبراً أن ١٥ تموز هو “نسخة النظام الحالية عن ١٩ مايو” (ذكرى وصول أتاتورك إلى سامسون).
ويشير إلى أن الأنظمة السلطوية، التي لا تستمد شرعيتها الحقيقية من الإرادة الشعبية الحرة، تلجأ دائماً إلى فرض أعياد رسمية وشعائر رمزية عبر التعليم والإعلام والأنشطة الرياضية لإجبار المجتمع على تبني سردية السلطة.
ويستذكر أوسلو كيف كان يتم إجبار الطلاب في السابق على المشاركة في احتفالات ١٩ مايو تحت حرارة الشمس لبناء “أبراج بشرية”، ويرى أن النظام الحالي يعيد تدوير ذات الأساليب من خلال “عدّاءي السناجق” والمواكب العسكرية والمسرحيات التي لا تثير حماسة حقيقية لدى عامة الشعب.
تناقضات “الصمود الديمقراطي” والواقع السياسي
ينتقد أوسلو بشدة الشعارات التي يرفعها برهان الدين دوران، رئيس دائرة الاتصال الرئاسية، حول “الصمود الديمقراطي” وتوعية الرأي العام العالمي، معتبراً إياها شعارات جوفاء تتناقض مع الواقع.
ويستدل أوسلو على ذلك بملاحقة المعارضين، مثل القضايا المرفوعة ضد أكرم إمام أوغلو، والتهديدات التي تواجه رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل، فضلاً عن استمرار اعتقال صلاح الدين دميرتاش لسنوات طويلة.
وبحسب تحليل أوسلو، فإن النظام استخدم أحداث ١٥ تموز المدبرة سلفا كغطاء لتثبيت أركانه وتصفية “تركيا القديمة” والجمهورية، معتمداً على تحالف بين الاستخبارات الوطنية بقيادة هاكان فيدان (سابقا) ورئاسة الأركان تحت قيادة خلوصي أكار (سابقا) لإحكام السيطرة.
الرمزية المفقودة والبحث عن هوية بديلة
في نقد لاذع للرموز المستخدمة، يشير أوسلو إلى أن النظام فشل في بناء رموز مقنعة تحل محل الرموز الكمالية التي هدمها. ويقترح بسخرية استخدام “القميص الداخلي” (الذي استُخدم رمزياً لسد عوادم الدبابات) كعلم للعدائين في المسيرات، معتبراً إياه الرمز الأكثر تعبيراً عن هذه الحقبة، إلى جانب توزيع “الدونر” المجاني في الخيام لجذب الناس في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد!
ويقارن أوسلو بين هذه الاحتفالات المفروضة من الأعلى وبين الأعياد في الولايات المتحدة (مثل عيد الشكر أو ٤ يوليو)، حيث يشارك الشعب تلقائياً لأنها نابعة من ثقافة المجتمع وليس بقرار سيادي قسري.
المسؤولية السياسية وكلفة التغيير
يؤكد أَمْرَه أوسلو أن أردوغان كان على علم مسبق بالانقلاب المزعوم قبل أسبوع -على أقل تقدير- من وقوعه، مستشهداً باختفائه الغامض وتخلفه عن صلاة الجمعة في ذلك اليوم، وهو أمر غير معتاد في بروتوكولاته.
ويزعم أوسلو أن النظام احتاج إلى “دماء” لتثبيت أركانه، فكان الـ ٢٥٠ ضحية الذين سقطوا في تلك الليلة بمثابة “قربان” لتأسيس النظام الديكتاتوري الجديد. ويخلص إلى أن ١٥ تموز، رغم محاولات تصويره كملحمة ديمقراطية، ليس سوى أداة لترسيخ سلطة الفرد الواحد وإلغاء التعددية السياسية في تركيا.
خلاصة
يمثل ١٥ تموز، عند أَمْرَه أوسلو، عملية إعادة هندسة للمجتمع التركي عبر استنساخ أدوات القمع الرمزية الكمالية، بهدف شرعنة نظام فردي بُني على أنقاض المؤسسات الديمقراطية ودمج الاستخبارات في صلب الحكم.

