دخلت ألمانيا مرحلة جديدة في مسار دمج الدراسات الإسلامية داخل منظومتها الأكاديمية، بعدما أصبحت جامعة مونستر في ولاية شمال الراين-وستفاليا أول جامعة حكومية في ألمانيا وأوروبا تؤسس كلية مستقلة للإلهيات الإسلامية ضمن مؤسسة تعليم عالٍ حكومية.
ويمثل هذا التطور، الذي دخل حيز التنفيذ رسميًا اعتبارًا من الأول من يوليو/تموز 2026، تحولًا مؤسسيًا كبيرًا في علاقة الجامعات الأوروبية بالدراسات الإسلامية، إذ انتقلت هذه الدراسات من إطار المراكز البحثية والمعاهد المتخصصة إلى مستوى الكلية الجامعية الكاملة التي تتمتع بصلاحيات أكاديمية وإدارية مستقلة، شأنها شأن كليات اللاهوت الكاثوليكي والبروتستانتي الموجودة منذ عقود.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه الحاجة داخل ألمانيا إلى تأهيل كوادر دينية وأكاديمية قادرة على تقديم فهم للإسلام يتوافق مع متطلبات المجتمع الأوروبي، بعيدًا عن الخطابات المتشددة أو المرجعيات الخارجية.
“حرم الديانات”.. مشروع يجمع اللاهوت تحت سقف واحد
يرتبط إنشاء الكلية الجديدة بمشروع ضخم تنفذه جامعة مونستر منذ عام 2021 يحمل اسم “حرم الديانات“، وهو مشروع عمراني وأكاديمي من المنتظر افتتاحه عام 2027.
وسيضم المبنى الجديد كليات اللاهوت الكاثوليكي والبروتستانتي والإسلامي إلى جانب أقسام علوم الأديان، بحيث تعمل جميعها داخل مجمع أكاديمي واحد، مع وجود مكتبة مشتركة ومرافق جامعية موحدة، بما فيها المطعم الجامعي، في خطوة تهدف إلى تعزيز الحوار العلمي بين التخصصات الدينية المختلفة وترسيخ البحث المقارن في مجال الدراسات الدينية.
وترى إدارة الجامعة أن هذا النموذج يمثل صيغة جديدة للتعايش الأكاديمي بين التقاليد الدينية المختلفة داخل مؤسسة حكومية واحدة.
مهند خورشيد… من مركز صغير إلى أول عميد للكلية
يتولى عالم الاجتماع والمتخصص في التربية الدينية مهند خورشيد (Mouhanad Khorchide) النمساوي المنحدر من أصول فلسطينية منصب العميد المؤسس للكلية الجديدة، بعد أن قاد خلال السنوات الماضية مركز الدراسات الإسلامية اللاهوتية في جامعة مونستر.

ووصف خورشيد تأسيس الكلية بأنه فرصة استثنائية للمساهمة في كتابة فصل جديد في تاريخ الدراسات الإسلامية، مؤكدًا أن الوصول إلى هذه المرحلة جاء بعد خمسة عشر عامًا من العمل الأكاديمي المتواصل، وهو ما اعتبره مصدر امتنان وسعادة، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة.
وأوضح أن الهدف الأساسي يتمثل في ترسيخ نموذج للإسلام يتسم بالانفتاح والحداثة والانخراط الإيجابي في المجتمع، معربًا عن اعتقاده بأن تأثير هذا المشروع لن يقتصر على أوروبا، بل سيمتد أيضًا إلى العالم الإسلامي.
ورغم انتقاله إلى منصبه الجديد، سيواصل خورشيد عمله مؤقتًا في المكاتب الحالية التابعة للجامعة والقريبة من كاتدرائية باولوس، إلى حين افتتاح المبنى الجديد.
نمو متسارع منذ التأسيس
يستذكر خورشيد البدايات الأولى للمركز الإسلامي في الجامعة عام 2012، عندما انطلقت الدراسة بخمسة عشر طالبًا وثلاثة موظفين فقط.
أما اليوم، فقد تطور المشروع بصورة لافتة، إذ تضم الكلية الجديدة ثمانية أساتذة جامعيين وأكثر من خمسين موظفًا بين أكاديميين وإداريين وباحثين، بينما تتوقع الجامعة أن يتجاوز عدد الطلبة خلال السنوات المقبلة خمسمائة طالب.
ولا يبدي القائمون على الكلية أي مخاوف بشأن الإقبال على الدراسة، في ظل الطلب المتزايد على التخصصات المرتبطة بالإسلام داخل سوق العمل الألماني.
نقص كبير في معلمي التربية الإسلامية
تأتي أهمية الكلية أيضًا في ظل اتساع تدريس مادة التربية الإسلامية في المدارس الحكومية الألمانية.
ففي ولاية شمال الراين-وستفاليا وحدها تحتاج المدارس إلى نحو ثلاثة آلاف معلم متخصص في تدريس التربية الإسلامية، بينما لم يتخرج حتى الآن سوى قرابة ثلاثمائة وثلاثين معلمًا فقط، وهو ما يكشف عن فجوة كبيرة في الكوادر المؤهلة.
وتمنح هذه المعطيات خريجي الكلية فرصًا مهنية واسعة في قطاع التعليم، إلى جانب مجالات أخرى ترتبط بالخدمات الاجتماعية والرعاية المجتمعية.
برامج أكاديمية جديدة لتلبية احتياجات المجتمع
تخطط الكلية اعتبارًا من عام 2027 لإطلاق برنامج ماجستير جديد بعنوان “الإسلام والخدمات الاجتماعية“.
ويهدف البرنامج إلى إعداد متخصصين للعمل في مجالات تتزايد الحاجة إليها داخل المجتمع الألماني، مثل رعاية الشباب، والإرشاد والدعم داخل المستشفيات، وخدمات رعاية كبار السن، والخدمات الاجتماعية ذات المرجعية الإسلامية.
ويرى القائمون على المشروع أن هذه المجالات تشهد طلبًا متزايدًا على خبرات تجمع بين المعرفة الدينية والتأهيل المهني.
رؤية أكاديمية تقوم على التوفيق بين الإيمان والديمقراطية
تؤكد الكلية في مبادئها التأسيسية أن الإيمان الإسلامي لا يتعارض مع النظام الديمقراطي، وأن الدراسات الدينية يجب أن تستند إلى البحث العلمي الحديث.
وتتبنى الكلية قراءة علمية معاصرة للقرآن الكريم، وتشجع الحوار بين الأديان، كما تعلن بصورة واضحة رفضها لكل أشكال التطرف الديني ومعاداة السامية والإسلام السياسي الراديكالي.
وتنص مبادئها كذلك على رفض استخدام الدين لتبرير العنف أو توظيفه في خدمة الأيديولوجيات والصراعات السياسية.
اهتمام دولي يتجاوز أوروبا
أثار الإعلان عن تأسيس الكلية اهتمامًا واسعًا خارج ألمانيا، بحسب خورشيد، الذي أشار إلى أن وسائل إعلام في آسيا وإفريقيا تابعت الحدث بصورة مكثفة.
ولفت بشكل خاص إلى الاهتمام القادم من إندونيسيا، أكبر دولة من حيث عدد المسلمين في العالم، حيث تلقى استفسارات عديدة من باحثين يرغبون في الالتحاق ببرامج الدكتوراه أكثر من اهتمامهم بمرحلتي البكالوريوس أو الماجستير.
ويرى خورشيد أن هذا الإقبال يعكس رغبة متزايدة لدى كثير من الباحثين في دراسة نموذج للإسلام يجمع بين المرجعية الدينية والانفتاح على العالم المعاصر.
كما يعتقد أن المشروع قد يسهم على المدى البعيد في إعادة تشكيل النقاش الأوروبي حول مكانة الإسلام ومستقبله داخل المجتمعات الأوروبية.

مونستر تعزز مكانتها التاريخية في الدراسات اللاهوتية
من جانبه، أكد المتحدث باسم جامعة مونستر نوربرت روبرز أن الجامعة تتمتع أصلًا بتاريخ طويل في تدريس اللاهوت، وأن إنشاء الكلية الإسلامية يجعل للمرة الأولى كليات اللاهوت الكاثوليكي والبروتستانتي والإسلامي تعمل جنبًا إلى جنب داخل إطار أكاديمي موحد.
وأوضح أن المشروع لا يقتصر على مشاركة المبنى، بل يشمل أيضًا مرافق أكاديمية مشتركة تعزز التفاعل اليومي بين الباحثين والطلبة من مختلف التخصصات.
وأشار إلى أن مدينة مونستر ستصبح بذلك مقر أول كلية حكومية للإلهيات الإسلامية في أوروبا الغربية، فيما توجد كلية مشابهة في سراييفو، لكنها لا تعمل ضمن نظام جامعة حكومية بالمعنى المؤسسي الذي تحقق في ألمانيا.
حضور أكاديمي دولي وشبكات بحثية واسعة
أشاد روبرز بالمكانة العلمية التي يتمتع بها أساتذة الكلية، وعلى رأسهم محيي الدين خورشيد، إلى جانب الباحث والفيلسوف الإسلامي أحمد ميلاد كريمي، مشيرًا إلى أن علاقاتهما الأكاديمية الدولية أسهمت في تعزيز حضور الجامعة عالميًا.
وأضاف أن الطلبات المتزايدة لاستضافة أساتذة زائرين وتنفيذ برامج تبادل أكاديمي تؤكد المكانة التي أصبحت تحظى بها الكلية قبل افتتاح مقرها الجديد.
آثار قانونية تتجاوز البعد الإداري
رغم أن تحويل المركز إلى كلية قد يبدو من الناحية الشكلية مجرد تعديل إداري، فإن إدارة الجامعة تؤكد أن القرار يحمل آثارًا قانونية وأكاديمية مهمة، إذ يمنح الكلية استقلالًا مؤسسيًا أوسع في إدارة البرامج الدراسية والتعيينات الأكاديمية والبحث العلمي.
واحتفاءً بهذا الإنجاز، تستعد الجامعة لتنظيم احتفال رسمي في الرابع والعشرين من سبتمبر/أيلول 2026 داخل قاعة الاحتفالات الرئيسية.
دعم سياسي واعتباره محطة مفصلية
حظيت الخطوة أيضًا بدعم سياسي من شخصيات لعبت دورًا في إدخال الدراسات الإسلامية إلى الجامعات الألمانية.
فقد وصفت وزيرة التعليم والبحث العلمي الألمانية السابقة أنيته شافان، التي تولت المنصب بين عامي 2005 و2013، تأسيس الكلية بأنه نقطة تحول تاريخية، مؤكدة أن وجود كلية مستقلة للإلهيات الإسلامية سيعزز مكانة الدراسات اللاهوتية الأكاديمية بصورة عامة، وسيحظى باهتمام واسع على مستوى أوروبا.
دلالات أوسع للمشروع
يعكس تأسيس الكلية تحولًا في النظرة الألمانية إلى الدراسات الإسلامية، إذ باتت الدولة تميل إلى تطوير تعليم ديني أكاديمي يُدار داخل الجامعات الحكومية وفق معايير البحث العلمي والاستقلال الأكاديمي، بدل الاعتماد على تكوين ديني يأتي من خارج البلاد.
كما ينسجم المشروع مع السياسات الألمانية التي تسعى منذ سنوات إلى إعداد الأئمة والمعلمين والباحثين داخل المؤسسات التعليمية الوطنية، بما يحقق اندماجًا أكبر للمسلمين في المجتمع، ويحد من تأثير الخطابات المتشددة أو الارتباطات الخارجية في المجال الديني.
ومن المرجح أن يشكل نجاح التجربة في مونستر نموذجًا قد يدفع جامعات أوروبية أخرى إلى دراسة إنشاء كليات مماثلة، خاصة مع تنامي أعداد المسلمين في أوروبا واتساع الحاجة إلى مؤسسات أكاديمية متخصصة في الدراسات الإسلامية ذات الطابع البحثي الحديث.
خلاصة
يشكل تأسيس أول كلية حكومية للإلهيات الإسلامية في جامعة مونستر تحولًا تاريخيًا في التعليم العالي الأوروبي، ويؤسس لنموذج جديد يجمع بين البحث الأكاديمي والدراسة الدينية في إطار جامعي رسمي.
كما يعكس المشروع توجهًا ألمانيًا نحو بناء مرجعية علمية محلية للدراسات الإسلامية، تقوم على الانفتاح والحوار والتوافق مع مبادئ الدولة الديمقراطية، مع توقعات بأن يمتد تأثيره إلى الساحة الأكاديمية في أوروبا والعالم الإسلامي.

