أثار وزير الثقافة والسياحة التركي الأسبق أرطغرل غوناي نقاشًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا، بعدما انتقد التوجهات المطروحة ضمن مسار “تركيا بلا إرهاب”، معربًا عن اعتراضه على ما وصفه بازدواجية المعايير في التعامل مع ملفات السجناء والملاحقين قضائيًا.
وجاءت تصريحات غوناي في وقت تواصل فيه السلطات التركية العمل على إعداد تشريع جديد يهدف إلى تنظيم المرحلة المقبلة من عملية إنهاء الصراع المسلح بعد قرار حزب العمال الكردستاني التخلي عن السلاح، وسط تأكيدات رسمية بأن القانون سيكون مؤقتًا ومحدود النطاق، ولن يرقى إلى مستوى العفو العام.
رسالة مباشرة: السلام لا يتحقق من دون عدالة
في منشور عبر حسابه على منصة “إكس”، أكد غوناي أنه لا يعارض الهدف المعلن للحكومة والمتمثل في الوصول إلى “تركيا خالية من الإرهاب“، مشددًا على أن إنهاء العنف يمثل مطلبًا وطنيًا يحظى بتوافق واسع داخل المجتمع التركي.
غير أنه اعتبر أن تحقيق هذا الهدف يجب ألا يكون على حساب مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون.
وقال إن من غير المقبول، من الناحية القانونية والأخلاقية والإنسانية، أن يُفسح المجال أمام أشخاص حملوا السلاح ضد الدولة والمجتمع طوال نحو أربعين عامًا للاستفادة من ترتيبات قانونية جديدة، بينما يبقى في السجون أشخاص لم يُضبط بحوزتهم حتى سكين صغيرة، في إشارة إلى معتقلين من أتباع حركة كولن يواجهون أحكامًا أو ملاحقات في قضايا لا تتعلق بحمل السلاح.
واختتم غوناي رسالته بالتأكيد على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يستقر إلا إذا اقترن بتحقيق العدالة، كما وجّه منشوره إلى البرلمان، في إشارة إلى الجهة التي ستناقش التشريع المرتقب.
قانون جديد لتنظيم المرحلة المقبلة
تأتي تصريحات غوناي بالتزامن مع استعداد البرلمان التركي لبحث مشروع قانون جديد يرتبط بمسار “تركيا بلا إرهاب”، وهو المسار الذي تسعى الحكومة من خلاله إلى استكمال خطوات إنهاء العمل المسلح وتهيئة إطار قانوني للتعامل مع من يقررون التخلي عن السلاح.
وكان رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش قد أوضح في تصريحات أدلى بها الأسبوع الماضي أن القانون المزمع إعداده سيكون تشريعًا مستقلاً ومؤقتًا، ولن يتحول إلى قانون دائم يسري بصورة مفتوحة أو يشمل الجميع دون قيود.
وأوضح أن الغاية الأساسية من القانون تتمثل في تشجيع عناصر التنظيمات المسلحة على إلقاء السلاح والعودة خلال فترة زمنية محددة، قد تمتد – وفق ما طرحه على سبيل المثال – إلى ستة أشهر أو ثمانية أشهر أو سنة، بحيث يستفيد من أحكام القانون من يتقدم خلال هذه المهلة، قبل إغلاق الباب بانتهاء الفترة المحددة.
الحكومة: التشريع ليس عفوًا عامًا
حرص قورتولموش على نفي أي توصيف للقانون باعتباره عفوًا عامًا، مؤكدًا أن الحكومة لا ترغب في تكوين هذا الانطباع لدى الرأي العام.
وأشار إلى أن الصيغة القانونية الأقرب لهذا المشروع ستكون تعديلًا في قواعد تنفيذ العقوبات (نظام تنفيذ الأحكام)، وليس إصدار قانون يمنح عفوًا شاملًا عن الجرائم.
ويعكس هذا الطرح محاولة رسمية لتحقيق توازن بين تشجيع إنهاء النشاط المسلح، وبين الحفاظ على الإطار القانوني الذي يحكم تنفيذ الأحكام القضائية.
سياق سياسي وقانوني معقد
تأتي هذه النقاشات في ظل تطورات تشهدها الساحة التركية بشأن مستقبل العلاقة مع المجموعات المسلحة، بالتزامن مع حديث متكرر من جانب الحكومة عن مرحلة جديدة تهدف إلى إغلاق ملف الصراع الداخلي الممتد منذ عقود.
وفي المقابل، تواصل قوى المعارضة ومنظمات حقوقية إثارة تساؤلات حول ما إذا كان أي تعديل قانوني ينبغي أن يقتصر على المسلحين الذين يلقون السلاح، أم يجب أن يمتد أيضًا إلى سجناء الرأي والمحكومين في قضايا مرتبطة بحرية التعبير أو القضايا السياسية، ممن لا تتعلق ملفاتهم بأعمال عنف مباشرة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن السنوات الأخيرة شهدت انتقادات متكررة من أحزاب المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان بشأن اتساع نطاق قوانين مكافحة الإرهاب، واستخدامها في ملاحقة سياسيين وصحفيين وأكاديميين ونشطاء، وهو ما تنفيه الحكومة، مؤكدة أن القضاء يعمل بصورة مستقلة وأن الإجراءات تستند إلى القانون.
دلالات
تعكس تصريحات أرطغرل غوناي جانبًا من الجدل الدائر حول مفهوم العدالة الانتقالية في تركيا، إذ لا يقتصر النقاش على إنهاء العمل المسلح، بل يمتد إلى كيفية معالجة الآثار القانونية والسياسية التي خلفها الصراع الممتد لعقود.
ويبدو أن التحدي الأكبر أمام الحكومة لا يتمثل فقط في إعداد إطار قانوني يشجع على التخلي عن السلاح، وإنما أيضًا في إقناع مختلف القوى السياسية بأن أي تسوية يجب أن تقوم على معايير موحدة لا تخلق شعورًا بوجود تفاوت في تطبيق العدالة. كما أن طبيعة القانون المرتقب، وحدود المستفيدين منه، ستظل من أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل البرلمان والرأي العام خلال المرحلة المقبلة.
خلاصة
انتقد أرطغرل غوناي التوجه نحو منح تسهيلات قانونية لمن حملوا السلاح، مع استمرار احتجاز أشخاص في قضايا لا تتعلق بالعنف، معتبرًا أن السلام لا يكتمل إلا بإرساء العدالة.
في المقابل، تؤكد السلطات التركية أن التشريع المرتقب سيكون مؤقتًا، ويهدف إلى تنظيم تنفيذ الأحكام وتشجيع التخلي عن السلاح، وليس إصدار عفو عام.

