أثارت تصريحات جديدة لرئيس حزب السعادة التركي، محمود أريكان، ذي التوجه الإسلامي، موجة من الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما تحدث عن وجود اهتمام من جانب شركة الاستثمار الأمريكية العملاقة بلاك روك (BlackRock) بالاستحواذ على شركة أسيلسان (ASELSAN)، أكبر شركات الصناعات الدفاعية في تركيا، في ادعاءات لم تؤكدها الحكومة التركية أو الشركة حتى الآن.
وجاءت تصريحات أريكان في وقت تشهد فيه الصناعات الدفاعية التركية توسعًا كبيرًا، وتحظى باهتمام متزايد من القوى الغربية في ظل تنامي القدرات العسكرية والإنتاجية لأنقرة، الأمر الذي منح هذه المزاعم بعدًا سياسيًا يتجاوز مجرد الحديث عن صفقة تجارية.
اتهامات مباشرة للحكومة بشأن اتصالات مع “بلاك روك”
في مقابلة مع صحيفة سوزجو التركية، قال محمود أريكان إن شركة بلاك روك، التي تعد أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، أبدت اهتمامًا بشراء “أسيلسان”، مضيفًا أن السفير الأمريكي لدى تركيا توم باراك كُلّف -بحسب ادعائه- بمتابعة هذا الملف.
ووجّه أريكان انتقادات حادة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، متسائلًا عما إذا كانت الحكومة تعتزم تقديم أحد أهم الأصول الاستراتيجية التركية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على حد تعبيره، مطالبًا بتوضيح طبيعة الاتصالات التي جرت مع رئيس مجلس إدارة “بلاك روك” لاري فينك خلال لقائه بالرئيس أردوغان في شهر مارس الماضي.
كما طرح أسئلة مباشرة بشأن مضمون ذلك اللقاء، متسائلًا عما إذا كانت قضية “أسيلسان” قد طُرحت خلال المباحثات، وما إذا كانت الحكومة قد قدمت أي التزامات تتعلق بالشركة.
“أسيلسان”.. مؤسسة وُلدت من تجربة الحظر العسكري
استند أريكان في اعتراضه إلى الخلفية التاريخية لتأسيس “أسيلسان”، مشيرًا إلى أن الشركة لم تُنشأ باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا اعتياديًا، وإنما جاءت استجابة لواحدة من أصعب المراحل التي مرت بها تركيا في مجال الأمن القومي.
وأوضح أن عملية السلام في قبرص عام 1974 أعقبها فرض حظر عسكري غربي على تركيا، الأمر الذي كشف حجم اعتماد أنقرة على الخارج في مجال التسليح، حتى إنها واجهت صعوبات في الحصول على معدات اتصال عسكرية أساسية.
وفي أعقاب تلك التجربة، تأسست “أسيلسان” عام 1975 بقرار سياسي اتخذته حكومة الائتلاف التي ضمت آنذاك حزب السلامة الوطني بزعامة نجم الدين أربكان وحزب الشعب الجمهوري، بهدف بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية تقلل من الاعتماد على الموردين الأجانب.
ويرى أريكان أن هذه الخلفية التاريخية تجعل مجرد الحديث عن خصخصة الشركة أو بيعها أو نقل ملكيتها إلى صندوق استثماري أمرًا غير مقبول، حتى وإن بقي في إطار الشائعات أو التكهنات.
شركة استراتيجية وليست مجرد مؤسسة اقتصادية
أكد رئيس حزب السعادة أن “أسيلسان” لا يمكن النظر إليها كشركة تجارية تخضع لمعايير الربح والخسارة فقط، بل تمثل، بحسب وصفه، أحد أهم رموز الاستقلال الدفاعي التركي.
وأضاف أن الشركة تجسد الإرادة الوطنية في مجال الصناعات العسكرية، وأن الحفاظ عليها مسؤولية تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية، معتبرًا أن أي مساس بملكيتها أو دورها الاستراتيجي سيمثل مساسًا بأحد أهم الإنجازات الصناعية التي حققتها تركيا خلال العقود الخمسة الماضية.
وتبلغ القيمة السوقية التقديرية لـ”أسيلسان” نحو 35 مليار دولار، فيما يعمل فيها قرابة 16 ألف موظف، وتعد منذ خمسين عامًا المزود الرئيسي للجيش التركي بأنظمة الاتصالات العسكرية والرادارات والإلكترونيات الدفاعية والحلول التكنولوجية المتقدمة.
كما أن الشركة مملوكة لـمؤسسة تعزيز القوات المسلحة التركية، وهي جهة أنشئت لدعم تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، الأمر الذي يمنح “أسيلسان” مكانة خاصة داخل المنظومة الأمنية التركية.
لا تأكيد رسمي على مزاعم البيع
ورغم الجدل الذي أثارته تصريحات أريكان، لم تصدر حتى الآن أي بيانات رسمية من الرئاسة التركية أو وزارة الدفاع أو شركة “أسيلسان” أو شركة “بلاك روك” تؤكد وجود مفاوضات أو خطط لبيع الشركة أو نقل ملكيتها.
كما لم تظهر أي وثائق أو إفصاحات رسمية تشير إلى وجود إجراءات قانونية أو مالية تمهد لمثل هذه الصفقة، ما يجعل التصريحات المتداولة حتى الآن تندرج ضمن الاتهامات السياسية التي لم تُدعّم بأدلة معلنة.
إشادات أمريكية بقدرات الصناعات الدفاعية التركية
تزامنت هذه التصريحات مع إشادات أمريكية واسعة بالقدرات العسكرية والصناعية التركية قبيل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، والتي خصصت لها الحكومة التركية ميزانية كبيرة لتنظيمها.
فقد وصف الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى حلف الناتو ماثيو ويتاكر تركيا بأنها واحدة من أكثر دول الحلف كفاءة، مشيدًا بقدراتها الصناعية والدفاعية.
وأكد أن تركيا تمتلك قاعدة صناعية قادرة على بناء نحو خمسين سفينة في الوقت نفسه، معتبرًا أن هذه القدرات تجعلها شريكًا أساسيًا داخل الحلف، وداعيًا الدول الأوروبية إلى الاستفادة من التجربة التركية في تطوير صناعاتها الدفاعية.
اهتمام متزايد من الناتو بالصناعة الدفاعية التركية
وتأتي هذه الإشادات امتدادًا لاهتمام متزايد تبديه مؤسسات حلف الناتو بقطاع الصناعات الدفاعية التركي.
ففي أبريل الماضي، زار الأمين العام للحلف مارك روته مقر شركة “أسيلسان”، حيث أكد خلال الزيارة أن تسريع إنتاج الصناعات الدفاعية يمثل أحد أهم أولويات الناتو في المرحلة الحالية، في ظل التحديات الأمنية التي تواجه أوروبا، والحاجة إلى رفع معدلات الإنتاج العسكري بين دول الحلف.
وقد اعتُبرت الزيارة آنذاك مؤشرًا على المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها الصناعات الدفاعية التركية داخل منظومة الأمن الأوروبية والأطلسية.
تطورات سياقية: “أسيلسان” في قلب استراتيجية الاكتفاء الدفاعي
خلال السنوات الأخيرة، تحولت “أسيلسان” إلى أحد الأعمدة الرئيسية لمشروع تركيا الرامي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية، حيث توسعت في إنتاج أنظمة الرادارات والحرب الإلكترونية والاتصالات العسكرية والأنظمة البحرية والجوية، إلى جانب مشاركتها في تطوير منظومات الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والسفن الحربية.
كما نجحت الشركة في زيادة صادراتها الدفاعية إلى عشرات الدول، وأصبحت ضمن أبرز الشركات الدفاعية العالمية من حيث حجم الإنفاق على البحث والتطوير، ما جعلها تمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة التركية.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن أي حديث عن تغيير ملكية الشركة سيحمل أبعادًا تتجاوز الاقتصاد والاستثمار، لارتباط “أسيلسان” المباشر بالأمن القومي التركي وبمشروعات التسليح المحلية.
دلالات
تكشف التصريحات الأخيرة حجم الحساسية السياسية المرتبطة بقطاع الصناعات الدفاعية في تركيا، حيث أصبحت الشركات العسكرية الكبرى جزءًا من النقاش السياسي الداخلي، خاصة في ظل التنافس الحزبي واحتدام الجدل حول إدارة الأصول الاستراتيجية للدولة.
وفي المقابل، لا توجد حتى الآن معطيات رسمية تؤكد صحة الادعاءات المتعلقة بوجود صفقة لبيع “أسيلسان”، وهو ما يجعل التعامل معها يتطلب التمييز بين المواقف السياسية والوقائع المثبتة. غير أن الجدل يعكس في الوقت نفسه الأهمية الاستثنائية التي باتت تحتلها الشركة داخل الاقتصاد التركي ومنظومة الأمن القومي، فضلاً عن الاهتمام الدولي المتزايد بالصناعات الدفاعية التركية في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
خلاصة
أثارت تصريحات رئيس حزب السعادة بشأن اهتمام شركة “بلاك روك” الأمريكية بشراء “أسيلسان” نقاشًا سياسيًا واسعًا، إلا أن أي جهة رسمية لم تؤكد حتى الآن وجود مفاوضات أو خطط لبيع الشركة.
ويؤكد الجدل الدائر أن “أسيلسان” لم تعد مجرد شركة دفاعية، بل أصبحت أحد أبرز رموز الاستقلال الصناعي والعسكري التركي، ما يجعل أي حديث عن مستقبلها يحظى بحساسية سياسية واستراتيجية كبيرة.

