كشف المحلل السياسي التركي جوهري جوفين عن مستندات بريطانية رُفعت عنها السرية مؤخراً، تتضمن فصولا مظلمة من تاريخ الاغتيالات السياسية في تركيا، حيث يربط جوفين بين تصفية نائب رئيس حزب الحركة القومية والوزير الأسبق غون سازاك، وبين الدور المحوري والمثير للجدل الذي لعبه السياسي المثير للجدل دوغو برينجك في تلك الحقبة بالتنسيق مع دوائر استخباراتية غربية.
اللقاء الغامض: تحذيرات سازاك الأخيرة
وفقاً لتحليلات جوفين المستندة إلى وثيقة من الخارجية البريطانية مؤرخة في الرابع عشر من مارس ١٩٨٠، بادر غون سازاك بزيارة السفير البريطاني قبل اغتياله بنحو شهرين ونصف. في هذا اللقاء، طرح سازاك رؤية أمنية معقدة، محذراً من أن الولايات المتحدة عبر وكالة الاستخبارات المركزية تدعم المجموعات اليسارية “الماوية”، وتحديداً حركة “أيدينليك” التي يقودها دوغو برينجك، كأداة لمواجهة النفوذ السوفيتي المتزايد.
ويشير جوفين، في تحليله عبر صفحته على يوتيوب، إلى أن سازاك حاول إقناع بريطانيا بضرورة دعم حزب الحركة القومية والجيش التركي باعتبارهما الحاجز الأخير أمام انقلاب شيوعي وشيك، معبراً عن استيائه من الحظوة التي يتمتع بها زعيم حزب العمال في ذلك الوقت دوغو برينجك في الأوساط الدبلوماسية الغربية وتلقيه دعوات مستمرة لحضور الفعاليات الدبلوماسية.
برينجك: الماوي المفضل لدى الغرب
يستعرض جوهري جوفين التناقض الصارخ في شخصية برينجك كما تظهره الوثائق البريطانية؛ فبينما كان يطرح نفسه في الشارع كزعيم ماوي ثوري، وصفته تقارير السفارة البريطانية بأنه “متحدث مفوه، شجاع، ويمتلك توجهاً ودياً تجاه أوروبا الغربية”.
ويرى المحلل أن أهمية برينجك، الذي انضم إلى تحالف أردوغان بعد خروجه من السجن مع المعتقلين في إطار قضية أرغينيكون عام ٢٠١٤، تكمن في قدرته على تفتيت الحركات اليسارية من الداخل، حيث كان يقوم بتبليغ السلطات الأمنية عن العناصر الشيوعية الموالية لموسكو، مما يخدم مصالح الغرب في تقويض النفوذ السوفيتي خلال الحرب الباردة. ويضيف جوفين أن هذا الدور جعله “أصلاً استخباراتياً” لا يمكن المساس به، بل إن التخلص من سازاك في ثمانينات القرن الماضي قد يكون رسالة واضحة لكل من يحاول كشف خيوط هذه العلاقة أو تهديد مكانة برينجك.
الملاذ الآمن: علاقة برينجك بتشارلز بويت
يدلل جوفين على الارتباط الوثيق لبرينجك بالاستخبارات البريطانية من خلال واقعة تاريخية رواها “محمد أيمور”، المسؤول السابق في جهاز الاستخبارات التركي. حيث تم إلقاء القبض على برينجك في السبعينيات أثناء اختبائه داخل منزل البروفيسور البريطاني تشارلز بويت في حرم كلية روبرت بإسطنبول.
بويت، الذي قضى عقوداً في تركيا وكان سكرتيراً للجنة دعم “تروتسكي” المناهضة لستالين، يُنظر إليه في تحليلات جوفين كضابط ارتباط استخباراتي رفيع المستوى، مما يجعل وجود برينجك في منزله دليلاً ملموساً على طبيعة تحالفاته الخفية.
الاغتيال وتصفية الشهود
في السابع والعشرين من مايو ١٩٨٠، اغتيل غون سازاك أمام منزله في أنقرة بنيران كثيفة، وهي العملية التي تبنتها منظمة “ديف سول” اليسارية. ويحلل جوفين مسار القضية ليشير إلى “عملية تنظيف” واسعة جرت لاحقاً؛ حيث اختفى المنفذون الرئيسيون مثل “جنكيز غول” و”أديب إرانيل” تماماً، بينما لقي الثالث، “كمال جمال ألتون”، حتفه في ظروف غامضة بسقوطه من الطابق السادس في ألمانيا يوم صدور قرار لجوئه، مما وأد أي فرصة لكشف الجهات المحرضة.
التداعيات المعاصرة والتحليل الختامي
يربط جوهري جوفين بين نفوذ برينجك التاريخي ودوره الحالي كمندس في التحالفات السياسية الكبرى، مشيراً إلى دوره في هندسة التقارب بين أردوغان والتيارات القومية المتشددة في ٢٠١٤. كما يستشهد بواقعة زيارة نائب رئيس البرلمان “سري ثريا أوندر” الراحل لبرينجك بعد اكتشاف جهاز تنصت في سيارته، معتبراً أن لجوء شخصيات سياسية رفيعة لبرينجك عند استشعار الخطر يعكس معرفتهم العميقة بمدى نفوذه واتصالاته العابرة للحدود.
خلاصة
يرى المحلل جوهري جوفين أن اغتيال غون سازاك كان ثمناً لمحاولته كشف الدور الوظيفي لدوغو برينجك كعميل مزدوج يخدم المصالح البريطانية تحت غطاء الماوية. وتثبت الوثائق المسربة أن تصفية سازاك مهدت الطريق لبرينجك ليبقى لاعباً محورياً في صياغة التحالفات السياسية التركية حتى يومنا هذا.

