في ظل استمرار التراجع الحاد في معدلات الإنجاب في تركيا، صعّدت مؤسسات الدولة من خطابها الداعي إلى تشجيع الزواج وتكوين الأسر، بعدما تحولت القضية من مجرد ظاهرة اجتماعية إلى أحد أبرز التحديات الديموغرافية التي تضعها الحكومة ضمن أولوياتها الاستراتيجية.
وفي أحدث خطوة بهذا الاتجاه، خصصت رئاسة الشؤون الدينية التركية خطبة الجمعة الموحدة التي عُممت على المساجد في مختلف أنحاء البلاد للحديث عن أهمية الأسرة والإنجاب، في رسالة عكست انسجام المؤسسة الدينية الرسمية مع السياسات التي تتبناها الحكومة لمواجهة الانخفاض المستمر في معدلات الخصوبة.
“الأسرة” محور خطبة الجمعة في عموم تركيا
حملت الخطبة عنوان “أن نكون أسرة“، وركزت على تعزيز مفهوم الزواج باعتباره أساس استقرار المجتمع واستمراره.
وأكدت رئاسة الشؤون الدينية في نص الخطبة أن الإسلام يجعل الرزق بيد الله، معتبرة أن تزايد الاعتقاد بأن إنجاب الأطفال يزيد من أعباء الحياة يمثل اتجاهاً مقلقاً يتوسع داخل المجتمع التركي.
وجاء في الخطبة أن انتشار مثل هذه الأفكار يتعارض مع المبادئ الدينية التي تحث على تكوين الأسرة والإنجاب، داعية المواطنين إلى عدم النظر إلى الأطفال باعتبارهم عبئاً اقتصادياً، بل نعمة ومصدراً للبركة.
انتقاد تأخر الزواج وتزايد أنماط الحياة الفردية
ولم تقتصر الخطبة على الدعوة إلى الإنجاب، بل تناولت أيضاً التحولات الاجتماعية التي تشهدها تركيا خلال السنوات الأخيرة.
ورأت رئاسة الشؤون الدينية أن الزواج أصبح أكثر صعوبة بسبب الأعباء الاجتماعية والاقتصادية، في الوقت الذي يتزايد فيه الترويج لأنماط الحياة الفردية والعزوف عن الزواج، إضافة إلى العلاقات خارج إطار الأسرة التقليدية.
وأكدت أن قوة الدول واستمرارها يرتبطان بقدرتها على حماية مؤسسة الأسرة وتعزيزها، معتبرة أن الثروة الحقيقية للأمم لا تتمثل في الموارد الاقتصادية وحدها، وإنما في الأجيال التي تنشأ على القيم الوطنية والروحية.
خطاب ديني يدعم حملة حكومية أوسع
تعكس هذه الرسائل الدينية اتجاهاً حكومياً متصاعداً للتعامل مع الانخفاض السكاني بوصفه قضية أمن قومي ومستقبلاً استراتيجياً للدولة.
فالرئيس رجب طيب أردوغان يكرر منذ سنوات دعواته للأسر التركية لإنجاب ثلاثة أطفال على الأقل، ورفع هذا السقف في مناسبات عدة إلى أربعة أو خمسة أطفال، معتبراً أن تراجع معدلات الإنجاب يمثل تهديداً مباشراً لمستقبل تركيا الديموغرافي والاقتصادي.
وفي إطار هذه السياسة، أعلنت الحكومة عام 2025″ عام الأسرة“، كما خصصت الفترة الممتدة بين 2026 و2035 لتكون “عقد الأسرة والسكان“، في محاولة لإطلاق برامج طويلة الأمد تهدف إلى تشجيع الزواج ورفع معدلات الإنجاب.
أرقام تاريخية تكشف حجم التراجع
وتستند هذه التحركات إلى بيانات رسمية تظهر استمرار الانخفاض في معدلات الخصوبة بوتيرة غير مسبوقة.
فبحسب معطيات معهد الإحصاء التركي (TurkStat)، بلغ معدل الخصوبة الكلي في تركيا خلال عام 2025 نحو 1.42 طفل لكل امرأة، وهو أدنى مستوى يسجل منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة.
كما بقي المعدل دون مستوى 2.1 طفل لكل امرأة، وهو الحد الأدنى اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان من دون الاعتماد على الهجرة، وذلك للعام التاسع على التوالي.
وتعكس هذه الأرقام تحولاً ديموغرافياً كبيراً، إذ كانت تركيا حتى وقت قريب تُعد من أكثر الدول الأوروبية والمجاورة شباباً من حيث التركيبة السكانية.
ففي عام 2001 بلغ معدل الخصوبة 2.38 طفل لكل امرأة، قبل أن يبدأ مساراً تنازلياً متواصلاً منذ عام 2014، ليستقر اليوم عند أدنى مستوياته التاريخية.
السياسات الصحية تدخل على خط الأزمة
ولم تعد قضية الإنجاب مقتصرة على الخطاب السياسي أو الديني، بل امتدت أيضاً إلى السياسات الصحية.
ففي عام 2025 فرضت الحكومة التركية قيوداً على إجراء العمليات القيصرية الاختيارية في المراكز الطبية الخاصة، ضمن حملة رسمية لتشجيع الولادة الطبيعية.
ورغم أن السلطات بررت القرار باعتبارات صحية، فإن منتقدين اعتبروا الخطوة جزءاً من سياسة حكومية أوسع تهدف إلى التأثير في الخيارات الإنجابية للنساء وتشجيع زيادة معدلات الولادة.
تكاليف الزواج تحت مجهر المؤسسة الدينية
وتطرقت خطبة الجمعة كذلك إلى الجانب الاقتصادي المرتبط بتراجع الزواج.
فقد انتقدت رئاسة الشؤون الدينية المبالغة في تكاليف الخطوبة والزفاف، معتبرة أن المظاهر الاجتماعية والإنفاق المفرط يفرضان أعباء ثقيلة على الشباب وعائلاتهم، ويؤديان إلى تأخير الزواج أو العزوف عنه.
ودعت الخطبة إلى تبسيط مراسم الزواج والابتعاد عن الإسراف، مؤكدة أن تخفيف هذه الأعباء من شأنه أن يسهم في تشجيع الشباب على تأسيس أسر جديدة.
الواقع الاقتصادي يفرض حساباته
في المقابل، يرى كثير من الشباب الأتراك أن أسباب تأجيل الزواج أو الإحجام عن الإنجاب ترتبط بالظروف الاقتصادية أكثر من ارتباطها بالتحولات الثقافية.
ويشير هؤلاء إلى أن الارتفاع المستمر في أسعار الإيجارات، وزيادة تكاليف الغذاء، وارتفاع معدلات التضخم، وعدم استقرار سوق العمل، إضافة إلى الكلفة المرتفعة لتربية الأطفال والتعليم والرعاية الصحية، تجعل قرار تكوين أسرة أكثر صعوبة مقارنة بالسنوات السابقة.
وقد تزايدت هذه المخاوف مع استمرار السياسة النقدية المتشددة وارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما انعكس على تكلفة المعيشة والقدرة الشرائية للأسر التركية.
انتقادات للخطاب الرسمي
ويرى منتقدو السياسات الحكومية أن الدعوات الرسمية المتكررة إلى زيادة عدد الأطفال لا تعالج الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب إلى تأجيل الزواج أو الاكتفاء بطفل واحد أو الامتناع عن الإنجاب.
ويؤكد هؤلاء أن معالجة الأزمة الديموغرافية تتطلب تحسين مستويات الدخل، وتعزيز فرص العمل، وتوفير مساكن ميسورة التكلفة، وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي للأسر، إلى جانب تخفيف الأعباء الاقتصادية التي أصبحت العامل الأكثر تأثيراً في قرارات الزواج والإنجاب.
كما يشير مراقبون إلى أن التجارب الدولية تظهر أن ارتفاع تكاليف المعيشة، وتأخر سن الزواج، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتغير أنماط الحياة، تعد من أبرز العوامل التي تؤدي إلى انخفاض معدلات الخصوبة، وهو ما يجعل معالجة الظاهرة تتطلب حزمة سياسات اقتصادية واجتماعية متكاملة، وليس الاكتفاء بالرسائل الدينية أو الحملات الإعلامية.
خلاصة
تكشف خطبة رئاسة الشؤون الدينية التركية عن انخراط المؤسسة الدينية الرسمية في الحملة الحكومية الرامية إلى وقف التراجع التاريخي في معدلات الإنجاب، في وقت تؤكد فيه المؤشرات الديموغرافية أن تركيا تواجه تحولاً سكانياً غير مسبوق. وبينما تركز الدولة على تشجيع الزواج والإنجاب، يرى منتقدون أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة تبقى العامل الأكثر حسماً في قرارات الأسر التركية.

