تتداخل السياسة بالرياضة في قصة “أسطورة كرة القدم التركية” هاكان شوكور، لتتجاوز حدود الملاعب وتصل إلى أروقة المنصات الرقمية العالمية. ففي واقعة تعكس حجم التضييق الذي يلاحق المعارضين الأتراك حتى في منفاهم، كشف الهداف التاريخي للمنتخب التركي والبرلماني السابق عن تعرض بثه المباشر للمنع على منصتي “إنستغرام” و”يوتيوب” أثناء تواجده في مدرجات المباراة الدولية الملعوبة بين تركيا والولايات المتحدة.
كواليس “التكميم الرقمي” في واشنطن
خلال مباراة جمعت بين المنتخبين التركي والأمريكي، وبينما كان شوكور حاضراً بصفة رسمية بدعوة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، اصطدمت محاولاته للتواصل مع جمهوره بعوائق تقنية غير مبررة. فبينما كان الآلاف من حوله يبثون تفاعلاتهم بحرية تامة، وجد شوكور أن حساباته الرسمية قد جُمدت قدرتها على البث المباشر، رغم استقرار شبكة الإنترنت لديه وتوفر كافة الظروف التقنية.
ولإثبات أن المنع لم يكن محض صدفة أو خلل تقني عابر، أجرى شوكور تجربة ميدانية؛ حيث قام بتزويد صديق له في أوروبا ببيانات الدخول إلى حساباته، ليتضح أن الصديق تمكن من بدء البث المباشر من القارة العجوز دون أي عوائق. ولكن بمجرد محاولة شوكور استئناف البث من موقعه في الولايات المتحدة عبر الرابط الذي أنشأه صديقه، عاد المنع ليفرض نفسه مجدداً، مما يشير بوضوح إلى وجود “استهداف مكاني” وحظر مرتبط بالموقع الجغرافي داخل الأراضي الأمريكية.
تحليل الدوافع: الخوف من “الحقيقة” وكسر العزلة
يرى شوكور أن هذا الإجراء ليس سوى امتداد لأذرع أنقرة الساعية لعزله عن الداخل التركي، خاصة بعد النجاح الملحوظ الذي حققته برامجه الأخيرة التي جذبت مئات الآلاف من المشاهدين. ويؤكد الأسطورة التركية أن الهدف هو حجب “حقائق معينة” عن المجتمع التركي ومنعهم من رؤية الرموز التي تم تصنيفها كعدو للدولة.
ويكشف هذا التطور عن تحول جديد في استراتيجيات الرقابة؛ حيث لم يعد الحجب يقتصر على المواقع داخل تركيا، بل امتد للضغط على شركات التكنولوجيا العالمية لتقييد محتوى المعارضين حتى خارج الحدود السيادية للدولة التركية. ويستند هذا الضغط إلى القوانين الصارمة التي فرضتها أنقرة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تُلزمها بفتح مكاتب تمثيلية داخل البلاد للامتثال لطلبات حذف المحتوى وإغلاق الحسابات غير المرغوب فيها.
جذور الصراع: من البرلمان إلى قوائم الإرهاب
لم يكن هاكان شوكور مجرد لاعب كرة قدم، بل كان رمزاً وطنياً وهدافاً لا يشق له غبار برصيد 51 هدفاً في 112 مباراة دولية، وقائداً لنادي “غلطة سراي” في رحلة التتويج التاريخية بكأس الاتحاد الأوروبي عام 2000. غير أن مساره المهني والسياسي كعضو سابق في حزب العدالة والتنمية الحاكم انقلب رأساً على عقب بسبب صلاته المزعومة بحركة “كولن”.
وعقب محاولة الانقلاب الغامضة في يوليو 2016، التي تتهم أنقرة الحركة بتدبيرها، شنت السلطات حملة واسعة طالت شوكور أيضا؛ فتمت مصادرة ممتلكاته وأعماله وحساباته البنكية، وصدرت بحقه مذكرات اعتقال، مما اضطره للعيش في منفاه الاختياري بالولايات المتحدة منذ عام 2015.
محاولات المحو الممنهج من الذاكرة الوطنية
تجاوزت العقوبات ضد شوكور الجانب المادي والسياسي لتصل إلى محاولة شطبه من التاريخ الرياضي للبلاد؛ حيث يشكو اللاعب من “محو ممنهج” لذكراه من السجلات الرسمية والإشارات الإعلامية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، استبعاده تماماً من السلسلة الوثائقية التي أنتجتها منصة “نتفليكس” عام 2022 حول المدرب “فاتح تريم”، رغم الدور الجوهري الذي لعبه شوكور في نجاحات تلك الحقبة، وهو ما اعتبره اللاعب تجسيداً لحالة “تسييس الرياضة” في بلاده.
السياق الأوسع: تركيا والقبضة الحديدية على الإنترنت
تأتي واقعة حظر بث شوكور ضمن سياق عام من تراجع الحريات الرقمية في تركيا؛ إذ تصنف منظمة “فريدوم هاوس” البلاد ضمن الدول “غير الحرة” فيما يتعلق بحرية الإنترنت. وقد سجلت السنوات الماضية حظراً مؤقتاً أو دائماً لمنصات كبرى مثل “إنستغرام”، “فيسبوك”، “إكس”، وحتى “ويكيبيديا” ومنصات الألعاب مثل “روبلوكس”، مما يؤكد وجود نهج حكومي لفرض رقابة مشددة على الفضاء الرقمي وتوجيه الخطاب العام.
خلاصة
تجسد واقعة منع البث المباشر لهاكان شوكور في واشنطن تمدد الرقابة التركية العابرة للحدود، حيث تُسخر القوانين المحلية والضغوط الاقتصادية لتحجيم أصوات المعارضين حتى في الفضاءات الدولية والمنصات العالمية.

