أعاد مسؤول إسرائيلي سابق فتح ملف صحة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإطلاق ادعاءات جديدة أثارت اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، زعم فيها أن طبيباً إسرائيلياً أُرسل إلى تركيا بطلب من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) وبموافقة مباشرة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وأنه لعب دوراً حاسماً في إنقاذ حياة الرئيس التركي بعد إصابته بما وصفه بـ”مرض السرطان”.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الرئاسة التركية أو الحكومة الإسرائيلية يؤكد أو ينفي هذه المزاعم، كما لم تُقدم أي وثائق أو أدلة طبية مستقلة تثبت صحة الرواية.
تصريحات تلفزيونية تعيد الجدل حول صحة أردوغان
أطلق هذه الادعاءات آفي شوشان، المتحدث السابق باسم مركز تل أبيب سوراسكي الطبي المعروف باسم “مستشفى إيخيلوف”، خلال مشاركته في برنامج على القناة الإسرائيلية الرابعة عشرة (Channel 14).
وجاءت تصريحاته أثناء مناقشة ظهور الرئيس أردوغان في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي استضافتها أنقرة، حيث قال إن الرئيس التركي تعرض قبل نحو ست أو سبع سنوات لوعكة صحية خطيرة، وإن طبيباً من مستشفى إيخيلوف سافر إلى تركيا “ممثلاً لدولة إسرائيل”، بناءً على طلب من جهاز الموساد وبعد موافقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ورغم إشارته إلى هذه الواقعة، امتنع شوشان عن الكشف عن اسم الطبيب أو تقديم أي معلومات إضافية بشأن طبيعة المهمة أو مكان العلاج أو الوثائق التي تستند إليها روايته.
خلفية الملف الصحي للرئيس التركي
تعيد تصريحات شوشان إلى الواجهة التكهنات القديمة التي أحاطت بالحالة الصحية للرئيس التركي.
ففي أواخر عام 2011 وبداية عام 2012 خضع أردوغان لعمليتين جراحيتين في الجهاز الهضمي، وأعلن أطباؤه في ذلك الوقت أنهم استأصلوا زوائد لحمية (بوليبات) غير سرطانية من الأمعاء.
وفي المقابل، نفى أردوغان مراراً ما تردد آنذاك بشأن إصابته بالسرطان، مؤكداً أن حالته الصحية كانت مستقرة، بينما شددت الجهات الطبية الرسمية على أن الفحوص لم تُظهر إصابة بأورام خبيثة.
وتأتي تصريحات شوشان لتناقض الرواية الرسمية التي أعلنتها السلطات التركية في ذلك الوقت، دون أن يقدم دليلاً يثبت ادعاءه.
“رفضت التعليق عندما سألني الإعلام”
قال المسؤول الإسرائيلي السابق إن وسائل إعلام إسرائيلية حاولت في الفترة التي يُعتقد أن العلاج جرى خلالها التأكد من صحة المعلومات، إلا أنه رفض الإدلاء بأي تصريحات في ذلك الوقت.
وأضاف أن صمته آنذاك كان مقصوداً، قبل أن يقرر الكشف عن هذه الرواية خلال ظهوره التلفزيوني الأخير، دون أن يوضح أسباب اختياره هذا التوقيت تحديداً.
تصريحات أثارت انتقادات بسبب صياغتها
وفي أكثر أجزاء المقابلة إثارة للجدل، قال شوشان إن أردوغان “لا يزال حياً ويتنفس بفضل يهودي، وبفضل إسرائيلي، وبفضل بنيامين نتنياهو، وبفضل دافيد برنياع”، في إشارة إلى الرئيس السابق لجهاز الموساد الذي انتهت ولايته في يونيو الماضي.
وأثارت هذه الصياغة انتقادات، إذ اعتبرها مراقبون خلطاً بين انتقادات أردوغان المتكررة للحكومة الإسرائيلية وسياساتها العسكرية وبين استهداف اليهود كجماعة دينية أو قومية، وهو الربط الذي ترفضه منظمات مدافعة عن الحقوق الفلسطينية، مؤكدة أن مواقف الرئيس التركي المعلنة تركز على سياسات الحكومة الإسرائيلية وليس على اليهود باعتبارهم جماعة دينية.
تقارير سابقة عن استشارات طبية إسرائيلية
ليست هذه المرة الأولى التي يربط فيها الإعلام الإسرائيلي بين أردوغان ومستشفى إيخيلوف.
فقد أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية عام 2022 بأن الرئيس التركي كان يتلقى استشارات طبية من البروفيسور يتسحاق شابيرا، الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب مدير مستشفى إيخيلوف ورئيس برنامج السياحة العلاجية فيه.
إلا أن تلك التقارير لم تتحدث عن إصابة بالسرطان أو عن تدخل للموساد، كما لم يصدر أي تأكيد رسمي من الجانب التركي بشأنها.
أنقرة تتعامل بحساسية مع الشائعات المتعلقة بصحة الرئيس
تولي السلطات التركية أهمية كبيرة للملفات المرتبطة بصحة الرئيس أردوغان، وتعاملت خلال السنوات الماضية بحزم مع الشائعات التي تناولت هذا الموضوع.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، باشرت الشرطة التركية إجراءات قانونية بحق ثلاثين مستخدماً لوسائل التواصل الاجتماعي بعد تداول منشورات زعمت وفاة الرئيس، معتبرة أن تلك المنشورات تدخل في إطار نشر معلومات مضللة وإثارة البلبلة.
ويعكس ذلك حساسية المؤسسة الرسمية تجاه أي أخبار أو تكهنات تتعلق بالحالة الصحية لرئيس الدولة.
علاقات معقدة بين أنقرة وتل أبيب
تأتي هذه الادعاءات في وقت تتسم فيه العلاقات التركية الإسرائيلية بدرجة عالية من التعقيد.
فعلى الرغم من التوتر السياسي الحاد والخطاب المتبادل بين قيادتي البلدين، شهدت العلاقات خلال العقود الماضية استمراراً في أشكال مختلفة من التعاون، شملت ملفات أمنية واستخباراتية وعسكرية واقتصادية.
وكان البلدان قد أعادا العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 2022 بعد سنوات من القطيعة، قبل أن يسحبا سفيريهما مجدداً عقب اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ومنذ ذلك الحين، كثف الرئيس أردوغان انتقاداته لإسرائيل، متهماً حكومتها بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، كما أعلنت تركيا في مايو/أيار 2024 وقف التجارة المباشرة مع إسرائيل، وانضمت رسمياً إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
جدل مستمر حول التجارة غير المباشرة
ورغم الإعلان التركي عن وقف التجارة المباشرة، استمرت منظمات داعمة للحقوق الفلسطينية في توجيه انتقادات لأنقرة، معتبرة أن بضائع ونفطاً ما زالت تصل إلى إسرائيل عبر دول ثالثة، أو من خلال استخدام موانئ تركية كمحطات عبور.
وفي هذا السياق، أشار التقرير الذي قدمته المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025، تحت عنوان “الإبادة الجماعية في غزة: جريمة جماعية”، إلى أن تركيا كانت ضمن شبكة أوسع من الدول التي استمرت عبرها بعض التدفقات التجارية بصورة غير مباشرة.
وأوضح التقرير أن بعض الموانئ التركية استُخدمت كنقاط عبور لشحنات نفط وبضائع أخرى متجهة إلى إسرائيل، داعياً الدول إلى تعليق علاقاتها العسكرية والتجارية والدبلوماسية مع تل أبيب في ضوء الحرب على غزة.
وتنفي الحكومة التركية باستمرار الاتهامات التي تتحدث عن استمرار دعمها الاقتصادي لإسرائيل، مؤكدة أن قرار وقف التجارة المباشرة لا يزال سارياً.
أبعاد سياسية تتجاوز الملف الصحي
يرى مراقبون أن إعادة إثارة قضية صحة أردوغان في هذا التوقيت لا تنفصل عن المناخ السياسي والإعلامي الذي يحيط بالعلاقات التركية الإسرائيلية، خاصة في ظل استمرار الحرب على غزة، وتصاعد السجال بين الجانبين.
وفي المقابل، تبقى الادعاءات التي طرحها المسؤول الإسرائيلي السابق في إطار تصريحات إعلامية غير مدعومة بأدلة أو وثائق مستقلة، الأمر الذي يجعل من الصعب التحقق منها بصورة موضوعية حتى الآن.

