بعد مرور عقد كامل على محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016، خرجت الملازم أول السابقة كبرى يافوز عن صمتها لتقدم روايتها الكاملة حول الساعات التي سبقت اندلاع الأحداث، وما أعقبها من اعتقال وتعذيب وفصل من الخدمة ثم اللجوء إلى خارج البلاد، في شهادة جديدة أعادت تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في التاريخ السياسي التركي الحديث.
وجاءت شهادة يافوز ضمن الفيلم الوثائقي “الشاهد.. بعد تلك الليلة” الذي نُشر عبر منصة يوتيوب، حيث تحدثت للمرة الأولى بصورة موسعة عن تجربتها الشخصية، والوقائع التي تؤكد أنها شهدتها داخل مقر رئاسة الأركان، إلى جانب ما وصفته بالانتهاكات التي تعرض لها عدد من العسكريين عقب فشل الانقلاب.
من ضابطة في رئاسة الأركان إلى وجه ارتبط بليلة 15 يوليو
عرف الرأي العام التركي كبرى يافوز من خلال مقطع فيديو قصير التُقط داخل مقر رئاسة الأركان العامة ليلة الخامس عشر من يوليو/تموز 2016، ظهرت فيه وهي تودع رئيس جهاز الاستخبارات التركي آنذاك، هاكان فيدان، أثناء مغادرته المبنى.
ورغم أن المشهد لم يستغرق سوى ثوانٍ معدودة، تقول يافوز إنه كان كفيلاً بتغيير حياتها بالكامل، إذ تحول ذلك التسجيل لاحقاً إلى أحد أكثر المقاطع تداولاً في سياق التحقيقات المتعلقة بالمحاولة الانقلابية، لتنتهي مسيرتها العسكرية بالاعتقال، ثم الفصل من الخدمة، قبل أن تضطر في النهاية إلى مغادرة تركيا.
شاهدة على آخر لقاء بين هاكان فيدان وخلوصي أكار
تؤكد يافوز أن أهمية شهادتها لا تنبع فقط من ظهورها في ذلك التسجيل، بل من وجودها داخل مقر رئاسة الأركان أثناء الساعات الأخيرة التي سبقت اندلاع الأحداث.
وبحسب روايتها، كانت ضمن الطاقم المناوب في تلك الليلة، وشهدت اللقاء الأخير الذي جمع رئيس هيئة الأركان آنذاك خلوصي أكار برئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان.
وتوضح أنها لم تكن مطلعة على مضمون الحديث الذي دار بين الرجلين داخل المكتب، لكنها لفتت إلى ملاحظة اعتبرتها لافتة، إذ قالت إن أجواء اللقاء اتسمت ــ بحسب انطباعها ــ بالمرح والارتياح الشديدين، رغم حساسية الظروف التي كانت تمر بها البلاد، وهو ما أثار لديها تساؤلات لاحقاً بعد تطور الأحداث.
رواية تختلف عن الرواية الرسمية
تأتي شهادة يافوز في سياق استمرار الجدل بشأن ملابسات محاولة الانقلاب، إذ تشير إلى وجود روايات مغايرة للرواية الرسمية التي تتبناها السلطات التركية.
وتجدر الإشارة إلى أن أطرافاً معارضة للحكومة تتهم الرئيس رجب طيب أردوغان، إلى جانب رئيس الأركان السابق خلوصي أكار ورئيس الاستخبارات السابق هاكان فيدان، بالتواطؤ في إدارة انقلاب كان محكوماً عليه بالفشل، بهدف توفير مبرر لإطلاق حملة واسعة من الاعتقالات والإقالات داخل مؤسسات الدولة.
في المقابل، ترفض الحكومة التركية هذه الاتهامات بصورة قاطعة، وتؤكد أن محاولة الانقلاب كانت عملاً عسكرياً حقيقياً نفذته عناصر تتبع لحركة الخدمة، التي تحملها أنقرة مسؤولية الأحداث، وهو اتهام تنفيه الحركة باستمرار.
رواية عن التعذيب داخل رئاسة الأركان
خصصت يافوز جزءاً كبيراً من شهادتها للحديث عن الفترة التي أعقبت ليلة الانقلاب، مؤكدة أنها تعرضت، إلى جانب عدد من العسكريين، لعمليات تعذيب ممنهجة بعد احتجازهم.
وقالت إن تلك الممارسات جرت داخل مجمع رئاسة الأركان العامة، وتحديداً في ميدان الرماية المعروف باسم “البوليغون”، حيث احتُجز عدد من الضباط بعد السيطرة على المقر.
وأضافت أن تلك المرحلة شكلت نقطة التحول الأكبر في حياتها، إذ انتقلت خلالها من ضابطة تؤدي عملها داخل المؤسسة العسكرية إلى سجينة، ثم إلى مفصولة من الخدمة، قبل أن تصبح لاجئة خارج بلادها.
اتهامات مباشرة لجنرالات بارزين
لم تكتف يافوز بوصف الانتهاكات التي قالت إنها تعرضت لها، بل وجهت اتهامات مباشرة إلى عدد من كبار الضباط، معتبرة أنهم شاركوا شخصياً في عمليات التعذيب.
وسمت في شهادتها كلاً من الجنرال زكائي أكساكالي، والجنرال عرفان أوزسيرت، والجنرال عمر أرطغرل أرباكان، متهمة إياهم بالضلوع في تلك الانتهاكات.
ولم يصدر عن هؤلاء المسؤولين أي رد علني على هذه الاتهامات في سياق الشهادة الجديدة.
ما بعد الفصل من الجيش… طريق مسدود داخل تركيا
بعد إنهاء خدمتها العسكرية، تقول يافوز إنها حاولت العودة إلى الحياة المدنية والبحث عن وظيفة جديدة، إلا أن جميع محاولاتها باءت بالفشل.
وتؤكد أن أصحاب الشركات والمؤسسات كانوا يتجنبون توظيفها خشية التعرض لضغوط أو مساءلة من السلطات بسبب ارتباط اسمها بملف الخامس عشر من يوليو.
وأمام هذا الواقع، لم تجد ــ بحسب روايتها ــ خياراً سوى مغادرة تركيا، رغم ارتباطها العاطفي ببلدها ورغبتها في مواصلة حياتها داخله.
تساؤلات أوروبية حول الرواية الرسمية
لا تقتصر القضية على شهادة يافوز وحدها، إذ أشارت إلى أنها عرضت تجربتها أمام مسؤولين أوروبيين، من بينهم المقرر السابق لتركيا في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، ستيفان شيناخ.
وخلال اللقاء، طرح شيناخ مجموعة من التساؤلات التي قال إنها تثير الشكوك حول الرواية الرسمية للأحداث من الناحية العسكرية.
وأشار إلى أن الانقلابات العسكرية التقليدية تُنفذ عادة خلال ساعات الفجر الأولى، حين تكون المؤسسات والدولة في أدنى درجات الجاهزية، بينما بدأت تحركات ليلة 15 يوليو في وقت مبكر من المساء، وهو ما اعتبره أمراً غير مألوف من الناحية التكتيكية.
كما أبدى استغرابه من استمرار خدمات الاتصالات والإنترنت والبث التلفزيوني طوال الأحداث، وهو ما أتاح للرئيس أردوغان الظهور عبر تطبيق “فيس تايم” ودعوة المواطنين للنزول إلى الشوارع، معتبراً أن مثل هذه المعطيات لا تنسجم مع ما تشهده الانقلابات العسكرية التقليدية التي تستهدف السيطرة الكاملة على وسائل الاتصال.
وتعكس هذه الملاحظات وجهة نظر شيناخ كما نقلتها يافوز، ولا تمثل استنتاجاً قضائياً أو حكماً نهائياً بشأن طبيعة الأحداث.
حياة جديدة في المنفى واستمرار النشاط الحقوقي
تقيم كبرى يافوز حالياً في النرويج، حيث تحاول بدء مرحلة جديدة من حياتها بعيداً عن تركيا.
وقبل التحاقها بالمؤسسة العسكرية، كانت قد تخرجت في قسم تدريس اللغة الإنجليزية بجامعة “دوكوز أيلول”، ثم اختارت الانضمام إلى الجيش بتشجيع من والدها.
واليوم، تسعى إلى العودة إلى المجال الأكاديمي، بالتوازي مع نشاطها الحقوقي إلى جانب زوجها، وهو ضابط سابق أيضاً، من أجل إيصال ما تصفه بمعاناة العسكريين الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب بعد أحداث يوليو إلى المنظمات الدولية والهيئات الحقوقية.
وتؤكد أن معركتها لم تعد مرتبطة بمصيرها الشخصي فقط، وإنما بما تعتبره سعياً لإثبات الحقيقة وتحقيق العدالة لجميع المتضررين.
تطورات مستمرة بعد مرور عقد على الأحداث
يتزامن نشر شهادة يافوز مع اقتراب الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب، وهي مناسبة تشهد كل عام تجدد النقاش حول تلك الليلة.
وفي حين تواصل السلطات التركية التأكيد على روايتها الرسمية، ما تزال منظمات حقوقية دولية تدعو إلى إجراء تحقيقات مستقلة في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة والانتهاكات التي رافقت حملة الاعتقالات الواسعة التي أعقبت المحاولة الانقلابية، كما تستمر شخصيات سياسية وأكاديمية ومعارضون في طرح تساؤلات حول عدد من الوقائع التي يرون أنها لم تُحسم بصورة نهائية.
خلاصة
تعيد شهادة الملازم السابقة كبرى يافوز إحياء الجدل حول أحداث الخامس عشر من يوليو، من خلال رواية تجمع بين مشاهداتها داخل رئاسة الأركان، واتهاماتها بتعرضها للتعذيب، وانتقاداتها للرواية الرسمية. وبينما تؤكد الحكومة التركية موقفها الثابت بشأن ملابسات المحاولة الانقلابية، تستمر شهادات معارضين وتقارير حقوقية في المطالبة بمزيد من التحقيق والشفافية لكشف جميع تفاصيل تلك الليلة.

