تتناول رؤية المحلل السياسي التركي، البروفيسور سدات لاتشينر، تحولات عميقة في بنية حلف شمال الأطلسي (الناتو) على خلفية قمة أنقرة، مسلطاً الضوء على التناقض الصارخ بين المظاهر الاحتفالية والواقع السياسي المتأزم الذي يعصف بالعلاقات الدولية تحت وطأة سياسات دونالد ترامب.
مشهدية أنقرة: بهرجة بصرية وفراغ استراتيجي
في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، يرى البروفيسور لاتشينر أن قمة أنقرة تميزت بتنظيم لوجستي باهر وعروض بصرية استثنائية شملت الخيول والطائرات وفرق “المهتر” الموسيقية، مما جعلها تبرز كواحدة من أضخم الفعاليات التي استضافتها تركيا تاريخياً، على غرار قمة إسطنبول ٢٠٠٤ وقمة مجموعة العشرين في أنطاليا ٢٠١٥. ومع ذلك، يؤكد لاتشينر أن هذا النجاح التنظيمي لم ينعكس على النتائج السياسية؛ فالحلف لم ينجح في حل أزماته البنيوية، بل كشفت القمة عن عمق الفجوات الفاصلة بين أعضائه، حيث غادرت تركيا القمة بفيض من المديح والثناء اللفظي من ترامب وماكرون دون الحصول على مكاسب ملموسة أو قرارات استراتيجية تخدم مصالحها القومية.
معضلة الـ F-35 وفيتو النفوذ الإسرائيلي
في تشريحه لملف المقاتلات، يوضح لاتشينر أن الوعود التي أطلقها ترامب برفع العقوبات عن تركيا تظل مجرد كلمات تفتقر إلى الفعل القانوني، إذ يكفي ترامب إرسال خطاب للكونغرس لاستثناء تركيا من قانون “كاتسا”، وهو ما لم يفعله رغم ادعاءاته بـ”الصداقة”. ويحلل لاتشينر هذا التلكؤ بوجود ضغوط هائلة من “اللوبي الإسرائيلي” ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يرى في امتلاك تركيا لطائرات “إف-٣٥” الشبحية تهديداً للتفوق الجوي الإسرائيلي المطلق في المنطقة. فبينما لا تشكل طائرات “إف-١٦” خطراً مماثلاً لسهولة رصدها، تمنح “إف-٣٥” ميزة التخفي والقدرة على المناورة التي قد تغير موازين القوى، مما دفع الجانب الأمريكي لمحاولة إفراغ الطائرة من ميزاتها التقنية قبل التفكير في منحها لأي طرف إقليمي.
الانفجار مع إيران: النفط كأداة انتخابية
يشير لاتشينر إلى أن ترامب استخدم الهدنة مع إيران كأداة تكتيكية لخفض أسعار النفط من ١٢٦ دولاراً إلى مستويات السبعين دولاراً لضمان نتائج مريحة في الانتخابات النصفية الأمريكية. وبمجرد تحقيق هذا الهدف، عاد التصعيد لواجهة المشهد، حيث قصفت الولايات المتحدة أكثر من ٨٠ موقعاً في إيران، وردت الأخيرة بضرب قواعد أمريكية في البحرين والكويت. ويرى المحلل التركي أن اختيار توقيت هذا التصعيد وإعلانه من قلب العاصمة التركية أثناء قمة الناتو كان رسالة متعمدة تهدف إلى توريط الحلف، وتركيا كجار لإيران، في صراع مباشر لا يخدم سوى المصالح الأمريكية الضيقة.
تآكل عقيدة الناتو: من الدفاع المشترك إلى “المرتزقة”
ينتقد البروفيسور لاتشينر بشدة أسلوب ترامب في إدارة الحلف، واصفاً إياه بأنه يتعامل مع الناتو كـ “شركة خاصة” أو “بقال”، حيث يسعى لتحويله من منظمة دفاعية قائمة على المادة الخامسة (الكل من أجل الواحد) إلى كيان يخدم طموحاته في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. هذا التوجه أدى إلى صدامات حادة مع الحلفاء؛ فقد هدد ترامب بقطع التجارة مع إسبانيا واصفاً إياها بالشريك “الفاشل” لرفضها زيادة الإنفاق العسكري إلى ٥٪، كما شهدت القمة توتراً غير مسبوق مع رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني التي رفضت الجلوس معه أو التواصل البصري إثر إهانات وجهها لها سابقاً.
التموضع الاستراتيجي الجديد والمخاطر المستقبلية
وفقاً لتحليل لاتشينر، فإن ترامب يواصل ممارسة الابتزاز السياسي ضد أوروبا عبر التهديد بسحب ٨٠ ألف جندي أمريكي، والضغط للاستحواذ على جزيرة “جرينلاند” التابعة للدنمارك، وهو ما قوبل برفض أوروبي تمثل في رفع أعلام دول مثل فرنسا وبريطانيا والنرويج على الجزيرة كخطوة رمزية. وفي خضم هذا الاضطراب، جاء البيان الختامي للقمة ليعيد التأكيد على المادة الخامسة كنوع من طمأنة الحلفاء القلقين من تقلبات ترامب، مع إعادة تصنيف روسيا كتهديد طويل الأمد، وزيادة الإنفاق العسكري بمليارات الدولارات في محاولة لاسترضاء الإدارة الأمريكية وتجنب قراراتها الصادمة.
خلاصة
يرى البروفيسور سدات لاتشينر أن قمة أنقرة كرست واقع “الناتو المتشظي” الذي يقوده ترامب بعقلية تجارية صدامية، محولاً الحلف من مظلة أمنية جماعية إلى أداة تكتيكية تزيد من مخاطر جر المنطقة، وتركيا تحديداً، إلى حروب إقليمية عبثية.

