تشهد الساحة السياسية التركية حالة من الغليان التنظيمي والقانوني داخل أروقة حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، حيث بات الحزب يقف على مفترق طرق تاريخي يهدد بتمزيق وحدته أو ولادة كيان سياسي جديد من رحمه. هذا المخاض السياسي ليس مجرد خلاف داخلي، بل هو صراع على شرعية القيادة ومستقبل المعارضة في مواجهة الحزب الحاكم، في ظل تدخلات قضائية أعادت رسم الخريطة السياسية للحزب بشكل مفاجئ.
الزلزال القضائي وعودة الحرس القديم
فجّر القضاء التركي أزمة شرعية كبرى حينما قضت محكمة الاستئناف في أنقرة ببطلان المؤتمر العام الذي تم فيه انتخاب “أوزغور أوزيل” رئيساً للحزب، معيدةً بذلك “كمال كليجدار أوغلو” وإدارته السابقة إلى سدة القيادة بقرار قضائي. هذا الإجراء لم يكتفِ بإلغاء رئاسة أوزيل فحسب، بل أبطل أيضاً كافة المؤتمرات اللاحقة التي أعيد فيها انتخابه، مما خلق حالة من “الازدواجية القيادية”؛ حيث يسيطر كليجدار أوغلو فعلياً على المقر الرئيسي للحزب، بينما لا يزال أوزيل يتمتع بتأييد الغالبية العظمى من النواب، والمنظمات الإقليمية، ومناديب المؤتمر.
رسائل الصمود من خلف القضبان
من محبسه في سجن “سيليفري” شديد الحراسة، دخل “أكرم إمام أوغلو” -المرشح الرئاسي الأبرز للمعارضة- خط المواجهة بقوة، موجهاً انتقادات لاذعة لكليجدار أوغلو. إمام أوغلو، الذي يقبع في السجن منذ مارس 2025 بتهم فساد ينفيها جملة وتفصيلاً ويراها الحزب محاولة سياسية لإقصائه، وصف كليجدار أوغلو بأنه “وصي داخلي معادٍ”، متهماً إياه بقبول دور فُرض عبر المحاكم وبالسعي للحصول على المساعدة من أردوغان بدلاً من مناديب الحزب. وأكد إمام أوغلو بلهجة حاسمة أن المعارضة مستعدة روحياً وجسدياً لسلوك مسار سياسي جديد إذا استمر إغلاق أبواب الحزب أمام إرادة أعضائه، مشدداً على رفضه تسليم نصر انتخابي آخر للحكومة على طبق من ذهب.
“الخطة ب”: ملامح الحزب البديل
في ظل هذا الانسداد، كشف “أوزغور أوزيل” عن وجود “خطة بديلة” تتمثل في تفعيل حزب سياسي جديد تم تأسيسه مسبقاً كإجراء احترازي. هذا الكيان الجديد ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو ضمانة لمشاركة المعارضة في الانتخابات القادمة إذا ما نجحت السلطة في إقصاء حزب الشعب الجمهوري قانونياً أو منعه من خوض السباق الانتخابي. وتفيد التقارير أن الهياكل التنظيمية والمقرات لهذا الحزب البديل باتت جاهزة تماماً للعمل عند الضرورة، مع التأكيد على أن الأولوية تظل للنضال من داخل حزب الشعب الجمهوري ما لم تصبح العودة مستحيلة.
معركة الأرقام وحرب التواقيع
تتجه الأنظار نحو تاريخ السادس والعشرين من يوليو، وهو الموعد النهائي الذي تراه جبهة “أوزيل” حاسماً لتفادي المخاطر القانونية التي قد تمنع الحزب من دخول الانتخابات. وفي تحرك ميداني، يسعى أنصار أوزيل لتقديم نحو 900 توقيع من المناديب للمطالبة بعقد مؤتمر استثنائي، وهو عدد يتجاوز النصاب القانوني المطلوب، رغم محاولات إدارة كليجدار أوغلو المماطلة عبر إطلاق عملية مؤتمر عادي قد تستغرق شهوراً. كما ترفض الإدارة الحالية اعتبار استقالة 28 عضواً من مجلس الحزب سبباً موجباً لعقد مؤتمر استثنائي تلقائي.
موازين القوى في الشارع التركي
تعكس استطلاعات الرأي العام تحولاً جذرياً في ولاءات الناخبين؛ حيث تشير بيانات جامعة “إيشيق” إلى أن حزباً جديداً يقوده أوزيل بدعم من “منصور يافاش” قد يتصدر المشهد السياسي بنسبة 37% متفوقاً على حزب العدالة والتنمية، بينما تنهار أسهم حزب الشعب الجمهوري بقيادة كليجدار أوغلو إلى ما بين 5 و6% فقط. من جانبه، أظهر استطلاع “AREA” أن 45.2% من الأتراك يرون في إلغاء مؤتمر الحزب “عملية سياسية” تقف خلفها الحكومة، بينما عبرت أغلبية ساحقة (66%) عن استيائها من استخدام الشرطة لإخلاء مقر الحزب من أنصار أوزيل. كما يبرز “منصور يافاش” كالمنافس الأقوى لأردوغان بنسبة 34.7%، يليه إمام أوغلو بـ 21.2%، مما يعزز من أهمية يافاش في أي تشكيل سياسي مستقبلي.
خلاصة
تواجه المعارضة التركية صراعاً وجودياً بين شرعية صناديق الحزب وقرارات المحاكم، مما يجعل الانشقاق وتأسيس حزب جديد خياراً اضطرارياً لضمان البقاء السياسي قبل فوات الأوان القانوني.

