أظهرت بيانات رسمية حديثة صادرة عن معهد الإحصاء التركي أن عدد حالات الانتحار المسجلة في تركيا خلال عام 2025 بلغ أعلى مستوى له خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، في مؤشر يسلط الضوء على تحديات اجتماعية وصحية متنامية تواجه البلاد، بالتزامن مع استمرار النقاشات حول الأوضاع الاقتصادية والضغوط المعيشية وتأثيراتها على مختلف الفئات العمرية.
وجاءت هذه المعطيات ضمن تقرير “إحصاءات الوفيات وأسباب الوفاة لعام 2025″، الذي يقدم صورة شاملة عن أنماط الوفيات والتغيرات الديموغرافية والصحية في تركيا خلال العام الماضي.
نحو خمسة آلاف حالة انتحار خلال عام واحد
بحسب التقرير، بلغ عدد الأشخاص الذين فقدوا حياتهم نتيجة الانتحار خلال عام 2025 ما مجموعه 4 آلاف و599 شخصاً، وهو الرقم الأعلى المسجل منذ بدء تتبع هذه المؤشرات خلال العقدين الماضيين.
وارتفع معدل الانتحار الخام إلى 5.36 حالات لكل مئة ألف نسمة، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله خلال الفترة الممتدة بين عامي 2001 و2025، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً لافتاً مقارنة بالسنوات السابقة.
كما أظهرت البيانات وجود فجوة واضحة بين الجنسين في معدلات الانتحار، إذ شكّل الرجال الغالبية الساحقة من الضحايا بواقع 3 آلاف و684 حالة، مقابل 915 حالة بين النساء.
المرض يتصدر الأسباب.. والعوامل الاقتصادية والاجتماعية حاضرة بقوة
وعند تحليل الدوافع والأسباب المسجلة في حالات الانتحار، جاء المرض في المرتبة الأولى بين العوامل المؤدية إلى إنهاء الحياة، ما يشير إلى التأثير العميق للأمراض المزمنة والجسدية والنفسية على الصحة العامة.
في المقابل، برزت مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية ضمن الأسباب المسجلة، من بينها الضائقة المعيشية وصعوبات تأمين الاحتياجات الأساسية، والخلافات والمشكلات الأسرية، وعدم القدرة على الزواج أو مواجهة عقبات اجتماعية مرتبطة بالحياة الأسرية.
ويعكس حضور هذه العوامل في الإحصاءات الرسمية استمرار تأثير الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على فئات واسعة من المجتمع التركي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم خلال السنوات الأخيرة.
الشباب في صدارة الفئات العمرية الأكثر تأثراً
تكشف البيانات أن الفئة العمرية الأكثر تسجيلاً لحالات الانتحار كانت فئة الشباب بين الخامسة والعشرين والتاسعة والعشرين من العمر.
ويُنظر إلى هذه المعطيات باعتبارها مؤشراً يستدعي اهتماماً خاصاً من المؤسسات الصحية والاجتماعية، نظراً إلى أن هذه المرحلة العمرية تمثل فترة الانتقال نحو الاستقرار المهني والعائلي، وهي مرحلة ترتبط عادة بضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة.
ويرى مختصون أن ارتفاع معدلات الانتحار بين الشباب يستدعي تعزيز برامج الدعم النفسي والاجتماعي وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية وفرص العمل، إلى جانب زيادة الوعي بقضايا الصحة النفسية.
أمراض القلب والأوعية الدموية ما تزال السبب الرئيسي للوفاة
وبعيداً عن ملف الانتحار، أظهر التقرير أن أمراض الجهاز الدوري ما زالت تتصدر أسباب الوفاة في تركيا.
فقد بيّنت الإحصاءات أن 34.7 بالمئة من إجمالي الوفيات خلال عام 2025 نتجت عن أمراض القلب والأوعية الدموية، ما يؤكد استمرارها كأكبر تهديد صحي للسكان.
وجاءت الأورام السرطانية في المرتبة الثانية بنسبة 16.1 بالمئة من إجمالي الوفيات، تلتها أمراض الجهاز التنفسي بنسبة 15.1 بالمئة.
وتعكس هذه الأرقام استمرار هيمنة الأمراض المزمنة وغير السارية على المشهد الصحي في البلاد، وهو اتجاه يتوافق مع التحولات الديموغرافية وارتفاع متوسط الأعمار.
تحسن ملحوظ في مؤشرات وفيات الأطفال
في المقابل، حمل التقرير مؤشرات إيجابية على صعيد صحة الأطفال، حيث سجلت معدلات وفيات الرضع والأطفال دون الخامسة انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بالعام السابق.
فقد تراجع معدل وفيات الرضع من 9 بالألف إلى 7.8 بالألف، بينما انخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة من 11.1 بالألف إلى 9.5 بالألف.
ويُنظر إلى هذا التراجع باعتباره انعكاساً لتحسن خدمات الرعاية الصحية للأمومة والطفولة وتوسع برامج المتابعة الطبية والتطعيمات والرعاية الوقائية.
دلالات الأرقام
تأتي هذه النتائج في وقت تتزايد فيه النقاشات داخل تركيا حول التأثيرات الاجتماعية للأزمات الاقتصادية المتلاحقة، ومستويات الضغوط النفسية التي تواجهها شرائح واسعة من المجتمع، ولا سيما الشباب.
ورغم أن بيانات الانتحار لا تسمح بإرجاع الظاهرة إلى سبب واحد، فإن تزامن ارتفاع الحالات مع حضور عوامل مثل المرض والضائقة المعيشية والخلافات الأسرية يعكس تشابك الأبعاد الصحية والاقتصادية والاجتماعية في تفسير هذه الظاهرة.
وفي الوقت ذاته، تُظهر مؤشرات انخفاض وفيات الأطفال واستمرار تحسن بعض الخدمات الصحية أن المشهد الديموغرافي والصحي في تركيا يحمل اتجاهات متباينة؛ فبينما تتقدم بعض المؤشرات الصحية، تبرز تحديات جديدة تتعلق بالصحة النفسية والرفاه الاجتماعي وجودة الحياة.
خلاصة
سجلت تركيا خلال عام 2025 أعلى عدد من حالات الانتحار منذ خمسة وعشرين عاماً، مع وصول معدل الانتحار إلى 5.36 لكل مئة ألف نسمة وبلوغ عدد الضحايا 4 آلاف و599 شخصاً.
وفي الوقت الذي واصلت فيه أمراض القلب تصدر أسباب الوفاة، أظهرت البيانات تحسناً في معدلات وفيات الرضع والأطفال، ما يعكس تبايناً واضحاً بين المؤشرات الصحية والاجتماعية في البلاد.

