شهدت أروقة البرلمان الأوروبي تحولاً لافتاً في طبيعة التعاطي مع الملف التركي، حيث تبنى النواب في جلسة علنية بمدينة ستراسبورغ تقريراً يحث الاتحاد الأوروبي على دراسة فرض عقوبات حقوقية ضد وزير العدل التركي، أكين غورليك.
وقد جاء هذا القرار بأغلبية 381 صوتاً مقابل معارضة 107 أصوات، بينما امتنع 171 عضواً عن التصويت، مما يعكس انقساماً ووضوحاً في آن واحد تجاه السياسات القضائية التركية.
ويعد هذا التقرير، الذي أعده المقرر الدائم للبرلمان الأوروبي بشأن تركيا، الإسباني ناتشو سانشيز آمور، استجابة مباشرة لتقرير المفوضية الأوروبية لعام 2025 حول وضع الدولة المرشحة لعضوية التكتل.
أكين غورليك: من منصة الادعاء إلى حقيبة الوزارة تحت مجهر الانتقاد
يركز القرار الأوروبي بشكل مباشر على شخص أكين غورليك، واصفاً إياه بأنه شخصية محورية فيما سماه النواب “آلة القمع الرسمية” في تركيا. وتعود جذور هذا الانتقاد إلى المسيرة المهنية لغورليك، الذي شغل منصب المدعي العام في إسطنبول منذ أكتوبر 2024 حتى تعيينه وزيراً للعدل من قبل الرئيس رجب طيب أردوغان في فبراير 2026.
وخلال فترة عمله كمدع عام، قاد مكتبه تحقيقات استهدفت شخصيات بارزة في المعارضة، على رأسهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يُنظر إليه كأبرز منافس سياسي لأردوغان.
يذكر أن إمام أوغلو يقبع في السجن قيد المحاكمة منذ مارس 2025، في ظل اتهامات تنفيها المعارضة التركية وحزب الشعب الجمهوري، معتبرين أن هذه الإجراءات تهدف إلى إزاحة الخصوم السياسيين من الساحة.
كما اتهم البرلمان الأوروبي غورليك بتبني أجندة سياسية واضحة خلال مسيرته القضائية، معرباً عن قلقه البالغ إزاء ترقيته لمنصب الوزير.
آلية العقوبات المقترحة وأبعادها القانونية
دعا البرلمان الأوروبي مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كاجا كالاس، إلى النظر في اتخاذ تدابير ضمن “نظام عقوبات حقوق الإنسان العالمي التابع للاتحاد الأوروبي” ضد المسؤولين الأتراك المتهمين بانتهاكات جسيمة ومتعمدة للحريات الأساسية. وتشمل هذه التدابير المقترحة ما يلي:
- تجميد الأصول: استهداف الأموال والممتلكات التي قد يمتلكها المسؤولون المعنيون داخل دول الاتحاد الأوروبي.
- حظر السفر: منع الأشخاص المدرجين على قائمة العقوبات من دخول أراضي دول التكتل.
- القيود الاقتصادية: منع مواطني الاتحاد الأوروبي وشركاته من توفير أي موارد مالية أو اقتصادية للأفراد المستهدفين.
ومع ذلك، يظل هذا القرار ذا طبيعة استشارية وغير ملزمة قانوناً؛ إذ لا يترتب عليه إدراج غورليك بشكل تلقائي في قائمة العقوبات. ويتطلب التنفيذ الفعلي لمثل هذه الإجراءات قراراً منفصلاً يصدر عن مجلس الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل حكومات الدول السبع والعشرين الأعضاء بالإجماع.
الموقف التركي: تمسك بالسيادة ورفض للتدخلات الخارجية
في المقابل، تبدي الحكومة التركية رفضاً قاطعاً لهذه التحركات والاتهامات، مؤكدة استقلال قضائها ونزاهة إجراءاته. وقد استبق وزير العدل، أكين غورليك، عملية التصويت بوصف تقارير البرلمان الأوروبي بأنها “نصوص سياسية استشارية”، مشدداً على أن أي محاولات للضغط على القضاء التركي لن يكتب لها النجاح.
من جانبه، أدان عمر تشيليك، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، المقترح الأوروبي، معتبراً إياه استهدافاً مباشراً لوزير في الحكومة التركية وتدخلاً في الشؤون الداخلية للبلاد.
التحليل السياقي: أزمة المسار الأوروبي والواقع الجيوسياسي
يعكس هذا التصعيد البرلماني فجوة عميقة ومتزايدة بين أنقرة وبروكسل، حيث يرى التقرير الأوروبي أن تركيا تبتعد بوضوح عن معايير الاتحاد الأوروبي نتيجة الفشل في تنفيذ إصلاحات تتعلق بالديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان. ويشير المقرر سانشيز آمور إلى أن تركيا تتحول نحو “نظام استبدادي” يستخدم القضاء لأغراض سياسية، مما أدى إلى تضرر التعددية السياسية بشكل كبير.
ورغم أن عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي متوقفة رسمياً منذ عام 2018، إلا أن التقرير يعترف في الوقت ذاته بالأهمية الاستراتيجية لتركيا كحليف في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ولاعب إقليمي محوري. هذا التناقض بين الانتقاد الحقوقي اللاذع والضرورة الجيوسياسية يفسر، جزئياً، رد الفعل الأوروبي الذي وصفه البرلمان نفسه بأنه “محدود” من قبل بعض مؤسسات الاتحاد والدول الأعضاء تجاه التراجع الديمقراطي في تركيا.
خلاصة
يمثل حث البرلمان الأوروبي على فرض عقوبات ضد وزير العدل التركي ذروة التوتر السياسي بين الطرفين، وهو مؤشر على تحول الانتقادات النظرية إلى مطالب بإجراءات عقابية ملموسة تمس هرم السلطة القضائية والتنفيذية في أنقرة.

