في تطور يعكس إعادة تموضع النيجر على الساحة الدولية، أجرى رئيس المجلس العسكري الحاكم عبد الرحمن تياني زيارة رسمية إلى تركيا، تُعد الأولى له خارج القارة الإفريقية منذ استيلائه على السلطة إثر انقلاب عام 2023 الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد بازوم.
وصل تياني إلى أنقرة برفقة وفد حكومي رفيع يضم عشرة وزراء، في إشارة إلى الطابع الشامل للمحادثات التي تستهدف فتح مسارات تعاون متعددة، في مقدمتها المجالان العسكري والأمني.
محادثات مباشرة مع أردوغان حول الأمن والدفاع
استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره النيجري في العاصمة أنقرة، حيث ركزت المباحثات على تعزيز التعاون في مجالات التدريب العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية التي تواجهها النيجر من جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة و”داعش” في منطقة الساحل.
وأكد أردوغان خلال مؤتمر صحفي مشترك أن بلاده تتابع عن كثب التحديات الأمنية التي تواجهها النيجر، معربًا عن أمله في أن تسفر اللقاءات التي يجريها الوفد النيجري مع شركات الصناعات الدفاعية التركية عن نتائج ملموسة في المستقبل القريب.
تحول استراتيجي بعد القطيعة مع فرنسا
تأتي هذه الزيارة في سياق تحولات جيوسياسية عميقة تشهدها النيجر، التي اتجهت إلى تنويع شراكاتها الدولية بعد تدهور علاقاتها مع فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة التي احتفظت بنفوذ عسكري في البلاد لعقود.
وقد سعت السلطة العسكرية في نيامي إلى بناء تحالفات جديدة، خاصة مع دول تقدم دعمًا أمنيًا دون شروط سياسية صارمة، وهو ما جعل تركيا شريكًا مفضلًا في هذه المرحلة.
الطائرات المسيّرة والتدريب العسكري في صلب التعاون
برزت الصناعات الدفاعية التركية، وخاصة الطائرات المسيّرة، كأحد أعمدة الشراكة المتنامية. وتُعد طائرات “بيرقدار TB2″ و”أقنجي” من أكثر الأنظمة التي تحظى باهتمام القيادات العسكرية الإفريقية، نظرًا لكفاءتها التشغيلية وتكلفتها المنخفضة نسبيًا.
كما سبق لتركيا أن قدمت تدريبات لقوات خاصة في مالي، ووقعت اتفاقًا في أبريل يقضي بإرسال مدربين عسكريين إلى النيجر، ما يعكس توسيع نطاق الحضور التركي في منطقة الساحل.
البعد الاقتصادي: الموارد الطبيعية والاستثمار
إلى جانب التعاون الأمني، حملت الزيارة بُعدًا اقتصاديًا واضحًا، إذ تسعى النيجر إلى جذب الاستثمارات التركية في قطاعات التعدين والطاقة. وتشير تقارير إعلامية محلية إلى أن نيامي عرضت فرصًا أمام الشركات التركية للاستثمار في احتياطياتها من اليورانيوم والذهب والنفط.
وكان البلدان قد وقّعا في عام 2024 اتفاقًا يتيح للشركات التركية الوصول إلى بعض هذه الموارد، في إطار شراكة تهدف إلى دعم مشاريع البنية التحتية للطاقة وتمويلها.
أهداف النيجر: تعزيز القدرات وتمويل التنمية
بحسب ما أوردته صحيفة “L’Enquêteur” النيجرية، فإن الزيارة تركز على محورين رئيسيين: تحديث القدرات العسكرية عبر تعزيز الترسانة الدفاعية، واستقطاب استثمارات أجنبية—خاصة من تركيا—لتوظيفها في تطوير قطاع الطاقة والبنية التحتية.
سياق إقليمي: تنافس دولي على الساحل
تندرج هذه التحركات ضمن سباق نفوذ متزايد في منطقة الساحل، حيث تتراجع أدوار تقليدية مثل فرنسا، مقابل صعود فاعلين جدد، من بينهم تركيا وروسيا والصين. وتقدم أنقرة نموذجًا يجمع بين التعاون العسكري والانخراط الاقتصادي، ما يمنحها موقعًا متقدمًا في هذا المشهد المتغير.
دلالات
تعكس زيارة تياني لأنقرة تقاطع مصالح واضح: النيجر تبحث عن دعم أمني سريع وبدائل سياسية بعد عزلتها الغربية، فيما تسعى تركيا إلى ترسيخ حضورها كقوة وسيطة في إفريقيا عبر أدوات “القوة الصلبة والناعمة” معًا.
غير أن هذا التقارب قد يواجه تحديات، من بينها هشاشة الوضع الأمني في الساحل، وتعقيدات الشرعية الدولية للأنظمة العسكرية، فضلًا عن حساسية التنافس الدولي على الموارد الطبيعية.
خلاصة
زيارة قائد النيجر إلى تركيا تؤشر إلى تعميق الشراكة العسكرية والاقتصادية بين البلدين في ظل تحولات إقليمية متسارعة. التقارب يعكس إعادة تشكيل التحالفات في الساحل وصعود تركيا كفاعل مؤثر في معادلات الأمن والموارد.

