تكشف بيانات حديثة صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) عن تباين صارخ بين مسار أسعار الغذاء عالميًا ونظيرتها في تركيا خلال العقد الأخير، حيث ظل الارتفاع العالمي محدودًا نسبيًا، مقابل قفزة استثنائية داخل السوق التركية.
استقرار نسبي في المؤشر العالمي
وفق تقرير الفاو لشهر مايو، سجّل مؤشر أسعار الغذاء العالمي مستوى 130.8 نقطة، متراجعًا بشكل طفيف مقارنة بشهر أبريل بعد مراجعة بياناته. ويعكس هذا الأداء حالة من التوازن، إذ عوّض ارتفاع أسعار الحبوب والسكر الانخفاض المسجل في الزيوت النباتية ومنتجات الألبان.
وعلى أساس سنوي، ارتفع المؤشر بنحو 3.7 نقاط مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي، لكنه لا يزال أدنى بكثير من الذروة التاريخية التي بلغها في مارس 2022، بفارق يقارب 29.4 نقطة، ما يشير إلى انحسار الضغوط التضخمية العالمية في قطاع الغذاء.
تركيا: تضخم استثنائي في أسعار الغذاء
في المقابل، تُظهر بيانات هيئة الإحصاء التركية (TÜİK) أن أسعار الغذاء في تركيا ارتفعت بنسبة تقارب 1990 بالمئة خلال الأحد عشر عامًا الماضية، وهي زيادة تفوق بكثير المعدلات العالمية، ما يعكس مسارًا تضخميًا حادًا وممتدًا.
الفجوة السعرية
الخبيرة في الأسواق المالية إيريس جيبرة قدّمت تقييمًا لافتًا لهذه الفجوة، موضحة أن المقارنة المباشرة بين المؤشرات الدولية والمحلية تزداد وضوحًا عند أخذ تأثير سعر الصرف في الحسبان. وأشارت إلى أن أسعار الغذاء عالميًا ارتفعت بنسبة محدودة تقارب 7 بالمئة منذ عام 2015 عند احتسابها بشكل معدّل، بينما تبلغ الزيادة الاسمية نحو 29 بالمئة.
في المقابل، يظهر المؤشر التركي قفزة ضخمة تصل إلى 1990 بالمئة، ما يعكس، بحسب تحليلها، تأثيرًا عميقًا لتقلبات العملة المحلية. واعتبرت أن التقليل من دور سعر الصرف في تفسير تضخم الغذاء داخل تركيا يُعد تبسيطًا مخلًا، مؤكدة أن تراجع قيمة الليرة كان عاملًا محوريًا في تضخيم الأسعار.
العوامل المفسرة للتضخم الغذائي في تركيا
القراءة الاقتصادية لهذا التباين تشير إلى تداخل عدة عوامل، في مقدمتها:
- تدهور سعر صرف الليرة التركية وما يترتب عليه من ارتفاع تكاليف الاستيراد.
- الاعتماد النسبي على المدخلات الزراعية المستوردة، بما في ذلك الطاقة والأسمدة.
- ديناميكيات السوق الداخلية، مثل تكاليف النقل والتوزيع.
- السياسات النقدية والمالية التي أثرت على مستويات التضخم العام.
تطورات السياق الراهن
تأتي هذه الأرقام في وقت لا تزال فيه تركيا تواجه تحديات تضخمية مستمرة، رغم محاولات تشديد السياسة النقدية في الفترات الأخيرة. كما أن التباطؤ النسبي في أسعار الغذاء عالميًا لم ينعكس بنفس الدرجة على السوق المحلية، ما يعزز الإحساس بالفجوة بين الاتجاهين.
دلالات أوسع
هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في الأرقام، بل يكشف عن خلل هيكلي في آلية انتقال الأسعار من الأسواق العالمية إلى المحلية. ففي حين تستفيد العديد من الدول من استقرار الأسعار الدولية، تظل تركيا عرضة لتأثيرات داخلية تضخمية تضاعف من حدة الارتفاعات.
خلاصة
أسعار الغذاء عالميًا بقيت شبه مستقرة خلال العقد الأخير، بينما شهدت تركيا تضخمًا استثنائيًا تجاوز 1900 بالمئة. العامل الحاسم في هذا التباين يتمثل في تقلبات سعر الصرف وتراكم الاختلالات الاقتصادية الداخلية.

