أعاد نائب من حزب “المساواة والديمقراطية للشعوب” المؤيد للأكراد فتح ملف تقرير برلماني لم يُنشر بشأن محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا في يوليو 2016، مطالبًا بتوضيحات رسمية حول مصيره، بعد مرور ما يقارب عقد من الزمن على الحدث الذي شكّل أساسًا لحملات واسعة من الاعتقالات والإقالات الجماعية.
استجواب رسمي لرئاسة البرلمان
النائب عمر فاروق غيرغيرلي أوغلو وجّه مذكرة استجواب مكونة من أربعة وعشرين سؤالًا إلى رئيس البرلمان نعمان كورتولموش، سائلًا عن مكان التقرير الذي أعدّته لجنة برلمانية خاصة، وما إذا كان لا يزال محفوظًا ضمن سجلات البرلمان، وتاريخ تسليمه، والأسباب القانونية أو الإدارية التي حالت دون نشره.
كما طالب بكشف ما إذا كانت هناك نية لإتاحة التقرير كاملًا للرأي العام، بما في ذلك ملاحقه، والآراء المخالفة، والمقترحات التي تم رفضها، ومحاضر الاجتماعات والمراسلات المرتبطة به.
لجنة تحقيق لم تكتمل مخرجاتها
اللجنة البرلمانية أُنشئت عقب محاولة الانقلاب بهدف التحقيق في مختلف أبعادها السياسية والعسكرية والأمنية، إلى جانب دراسة دور حركة كولن التي تتهمها أنقرة بالوقوف وراء المحاولة. غير أن الحركة، المرتبطة بالراحل فتح الله كولن، تنفي أي صلة لها بالانقلاب أو بأي نشاط إرهابي.
غيرغيرلي أوغلو أشار إلى أن طريقة عمل اللجنة أثارت شكوكًا منذ البداية، مؤكدًا أن عددًا من طلبات الأعضاء رُفضت، وأن التقرير النهائي لم يُعرض على الجمهور، ما أضعف الثقة في مخرجات التحقيق.
طلبات مرفوضة وأسئلة بلا إجابة
من بين الطلبات التي لم تتم الاستجابة لها، بحسب النائب، فتح أول اجتماع للجنة أمام وسائل الإعلام، والحصول على سجلات الرحلات الجوية لكبار المسؤولين ليلة الانقلاب، إضافة إلى مراجعة سجلات الاتصالات الهاتفية لشخصيات سياسية ومسؤولين كبار.
كما رفضت اللجنة استدعاء شخصيات محورية كانت تتولى أعلى المناصب خلال تلك الليلة، وهم الرئيس رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء آنذاك بن علي يلدريم، ورئيس الأركان خلوصي أكار، ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان.
هذا الرفض، وفق الانتقادات، حرم التحقيق من الاستماع إلى أهم الشهادات الممكنة، وطرح تساؤلات حول مدى اكتمال الصورة التي قدمتها اللجنة.
جدل حول مصير التقرير
رغم تأكيد رئيس اللجنة السابق رشات بتك—وهو نائب سابق عن حزب العدالة والتنمية—أن التقرير أُنجز وسُلّم إلى رئيس البرلمان حينها إسماعيل كهرمان، إلا أن سجلات البرلمان لاحقًا بدت وكأنها لا تعترف بتقديم أي تقرير، ما عمّق الغموض حول مصيره.
غيرغيرلي أوغلو تساءل عمّا إذا كان التقرير قد حُجب بدعوى “سرية الدولة” أو بموجب قواعد أخرى، مطالبًا بتحديد الجهة التي اتخذت هذا القرار وتوقيته.
تداعيات الانقلاب ومسار ما بعده
محاولة الانقلاب أسفرت عن مقتل أكثر من مئتين وخمسين شخصًا، وأعقبها إعلان حالة الطوارئ التي استمرت حتى عام 2018، وشهدت عمليات تطهير واسعة في مؤسسات الدولة، شملت الجيش والقضاء والإدارة العامة وقطاعات الإعلام والتعليم.
السلطات كانت قد بدأت بالفعل حملة ضد حركة كولن عقب تحقيقات الفساد في عام 2013، والتي طالت أردوغان ومحيطه، قبل أن تُصنّف الحركة كتنظيم إرهابي في مايو 2016، وهو تصنيف لا تعترف به دول عديدة أو منظمات دولية.
بعد الانقلاب، توسعت التحقيقات لتشمل مئات الآلاف، وتم سجن عشرات الآلاف بتهم تتعلق بالإرهاب، في سياق تقول منظمات حقوقية إنه استُخدم لمعاقبة معارضين وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة تحت سيطرة السلطة التنفيذية.
فجوات في الرواية الرسمية
غياب التقرير البرلماني عن التداول العام يُعد، وفق منتقدين، أحد أبرز الثغرات في السردية الرسمية للأحداث. وتبقى قضايا محورية دون إجابات واضحة، من بينها طبيعة التحذيرات الاستخباراتية المسبقة، وسلسلة الأوامر العسكرية، والأدلة الجنائية، وأداء كبار المسؤولين خلال ساعات الانقلاب.
سياق سياسي وقانوني راهن
إثارة هذا الملف في التوقيت الحالي تعكس تصاعد الجدل الداخلي حول الشفافية والمساءلة، خصوصًا في ظل استمرار استخدام ملف الانقلاب كمرجعية قانونية وسياسية لتبرير إجراءات استثنائية. كما يتقاطع ذلك مع ضغوط دولية متزايدة تطالب أنقرة بتعزيز معايير سيادة القانون وإعادة النظر في ملفات المحاكمات المرتبطة بتلك المرحلة.
دلالات
يثير استمرار حجب التقرير تساؤلات عميقة حول حدود الرقابة البرلمانية في النظام السياسي التركي، ومدى استقلالها عن السلطة التنفيذية. فالتقرير، إن كان موجودًا بالفعل، قد يحمل تفاصيل حساسة تتعلق بمسؤوليات مؤسسات الدولة، وهو ما يفسر—وفق بعض التقديرات—الإبقاء عليه خارج التداول.
في المقابل، فإن نشره، حتى بعد سنوات، قد يسهم في إعادة بناء الثقة العامة، أو على الأقل في إعادة فتح نقاش وطني حول واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ الجمهورية الحديثة.
خلاصة
تقرير برلماني عن محاولة انقلاب 2016 ما يزال غائبًا عن العلن، رغم أهميته في فهم الحدث وتداعياته. استمرار حجبه يعمّق الشكوك حول الشفافية ويغذي الجدل السياسي والقانوني داخل تركيا.

