شهد الكونغرس الأمريكي جلسة استماع خصصتها لجنة “توم لانتوس” لحقوق الإنسان، سلّطت الضوء على المسار السياسي والقانوني في تركيا، وسط تحذيرات من تسارع الانتقال نحو نمط حكم سلطوي أكثر إحكامًا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان. الجلسة التي ترأسها النائبان كريستوفر سميث وجيمس ماكغفرن، جمعت باحثين وخبراء وشهودًا عرضوا تقييمات حادة لتدهور أوضاع الحريات وسيادة القانون.
مؤشرات “التحول السلطوي” وفق الشهادات
المداخلات ركزت على مجموعة من التطورات التي اعتُبرت دلائل على ترسيخ الحكم المركزي، من بينها اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس 2025، وهو أبرز منافسي أردوغان المحتملين في انتخابات 2028. وُصفت هذه الخطوة بأنها توظيف غير مسبوق للأداة القضائية لإقصاء منافس انتخابي بارز.
كما أُشير إلى الضغوط المتزايدة على حزب الشعب الجمهوري، وملاحقة الصحفيين والنشطاء، واستخدام تهم الإرهاب بشكل واسع ضد منتقدي الحكومة، إلى جانب رفض أنقرة تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وهو ما يُعد خرقًا لالتزامات دولية.
القضاء والأجهزة الدولة: إعادة تشكيل لخدمة السلطة
الباحث هنري باركي اعتبر أن مؤسسات الدولة التركية، وعلى رأسها القضاء، أعيدت هيكلتها بما يضمن بقاء القيادة السياسية الحالية. وأكد أن تعيين أوصياء على بلديات تابعة للمعارضة بذريعة الإرهاب أفرغ نتائج الانتخابات من مضمونها الديمقراطي.
كما لفت إلى أن عشرات الآلاف ممن فُصلوا بمراسيم الطوارئ بعد محاولة الانقلاب عام 2016 ما زالوا يعيشون حالة “موت مدني”، تشمل فقدان الوظائف وجوازات السفر والتأمينات الاجتماعية والحقوق المهنية، مع وصم دائم دون إدانات قضائية حاسمة.
إرث ما بعد 2016: تطهير واسع وتأثير مستمر
عقب محاولة الانقلاب في يوليو 2016، فرضت الحكومة حالة الطوارئ حتى منتصف 2018، وخلالها جرى فصل أكثر من 130 ألف موظف حكومي، بينهم آلاف القضاة والعسكريين. وقد أدى تعليق عمل 2745 قاضيًا ومدعيًا فورًا بعد الانقلاب، ثم عزل أكثر من أربعة آلاف لاحقًا، إلى إضعاف استقلال القضاء بشكل كبير، وفق الشهادات.
هذا السياق، بحسب المتحدثين، خلق بيئة قضائية تُثني القضاة عن إصدار أحكام قد تُفسر على أنها معارضة للسلطة.
“العقاب الجماعي” والدبلوماسية الرهينة
العالم التركي-الأمريكي سيركان غولغه، الذي سُجن قرابة خمس سنوات، قدّم رواية شخصية تُظهر كيف تحولت أنشطة قانونية سابقة—مثل فتح حساب مصرفي أو الدراسة في مؤسسات تعليمية مرخصة—إلى أدلة إدانة لاحقة.
وأشار إلى أن العقوبات لم تقتصر عليه، بل امتدت إلى عائلته التي مُنعت من مغادرة تركيا رغم حملها الجنسية الأمريكية. واعتبر قضيته مثالًا على ما وصفه بـ”دبلوماسية الرهائن”، حيث حظيت حالته باهتمام دولي، بينما بقي مئات الآلاف من الحالات الأخرى خارج دائرة الضوء.
استهداف المعارضة السياسية وإعادة هندسة المشهد
مايكل روبين وصف المرحلة الحالية بأنها من أكثر الفترات قمعًا في التاريخ التركي الحديث، معتبرًا أن الحكومة استثمرت محاولة الانقلاب كفرصة لتوسيع حملة تطهير شاملة. وتحدث عن ما أسماه “قطع الرؤوس السياسية”، في إشارة إلى استهداف شخصيات معارضة بارزة مثل صلاح الدين دميرتاش وأكرم إمام أوغلو وأوزغور أوزل.
هذا النمط، بحسب التقييمات، لا يقتصر على إقصاء أفراد، بل يسعى إلى إعادة تشكيل المجال السياسي بما يضمن استمرار النخبة الحاكمة في السيطرة على موارد الدولة.
نقطة تحول خطرة في النظام السياسي
أندرو أودونوهو حذّر من أن تركيا تقترب من مرحلة مفصلية، تنتقل فيها من نظام انتخابي غير متكافئ لكنه تنافسي، إلى نظام يُمنع فيه فعليًا وصول المعارضة إلى السلطة. واعتبر أن اعتقال إمام أوغلو يمثل لحظة فاصلة في هذا التحول.
كما أشار إلى أن ضعف ردود الفعل الدولية قد يشجع على مزيد من التراجع الديمقراطي.
انتقادات للسجل الحقوقي والديني
تناولت الجلسة أيضًا أوضاع الحرية الدينية، خصوصًا لدى الأقليات المسيحية. وبينما رأى باركي أن الوضع “يكاد يكون ميؤوسًا منه”، حذر روبين من أن تجاهل هذه القضايا سيؤدي إلى مزيد من التدهور.
انتقادات للسياسات العابرة للحدود
النائب كريستوفر سميث اتهم أنقرة باستهداف معارضين في الخارج عبر المراقبة وحملات الترهيب، مستشهدًا بحادثة اعتداء حراس أردوغان على متظاهرين في واشنطن خلال زيارة رسمية سابقة.
كما أشار إلى استمرار احتجاز آلاف الأشخاص بتهم إرهاب استنادًا إلى أنشطة كانت قانونية في حينها، مثل الارتباط بحركة غولن أو التعامل مع بنك آسيا.
سياق الصراع مع حركة كولن
يعود التصعيد ضد حركة كولن إلى تحقيقات الفساد في 2013، التي طالت أردوغان ودائرته المقربة، واعتبرتها الحكومة مؤامرة. وفي 2016، صُنفت الحركة كتنظيم إرهابي، ثم تصاعدت الحملة ضدها عقب محاولة الانقلاب التي تتهم أنقرة الحركة بالوقوف خلفها، وهو ما تنفيه الأخيرة.
دعوات أمريكية لإعادة ضبط العلاقة مع أنقرة
دعا المشاركون إلى ربط التعاون الأمريكي مع تركيا، بما في ذلك داخل حلف الناتو، بمدى التزامها بسيادة القانون والمعايير الديمقراطية. كما طُرحت مطالب بضغط أكثر وضوحًا للإفراج عن السجناء السياسيين.
وفي هذا السياق، دعا روبين إلى موقف أمريكي صريح، مستخدمًا تعبيرًا رمزيًا يحث على المطالبة بإغلاق سجن سيليفري، الذي يضم عددًا كبيرًا من السجناء السياسيين البارزين.
تطورات وسياق راهن
تأتي هذه الجلسة في وقت تتزايد فيه حساسية العلاقة بين أنقرة والغرب، مع استمرار الخلافات حول ملفات حقوق الإنسان، والتوازن بين المصالح الأمنية—خصوصًا داخل الناتو—والقيم الديمقراطية. كما تتزامن مع استعدادات سياسية داخلية في تركيا لمرحلة ما قبل انتخابات 2028، ما يرفع منسوب التوتر بين السلطة والمعارضة.
دلالات
تعكس الجلسة الأمريكية تحولًا في الخطاب داخل واشنطن من إدارة الخلاف مع أنقرة إلى محاولة إعادة تعريف شروط الشراكة. فبينما تظل تركيا شريكًا استراتيجيًا، فإن تصاعد الانتقادات المؤسسية قد يترجم إلى أدوات ضغط تدريجية، خصوصًا إذا ترافقت مع مواقف أوروبية مماثلة.
في المقابل، قد تدفع هذه الضغوط القيادة التركية إلى مزيد من التشدد داخليًا، أو إلى إعادة تموضع تكتيكي دون تغييرات بنيوية، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريوهات متعددة بين الاحتواء والتصعيد.
خلاصة
جلسة الكونغرس تعكس قلقًا متزايدًا من ترسخ الحكم السلطوي في تركيا وتآكل المؤسسات الديمقراطية. المسار المقبل سيعتمد على توازن معقد بين الضغوط الدولية وحسابات السلطة داخليًا مع اقتراب استحقاقات سياسية مفصلية.

