تناول الكاتب الصحفي والأكاديمي التركي، المتخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، محمود أقبينار، رؤية تحليلية معمقة تربط بين أحداث ١٥ يوليو ٢٠١٦ في تركيا وبين الأهداف الجيوسياسية الإسرائيلية بعيدة المدى، معتبراً أن تلك الأحداث لم تكن مجرد محاولة انقلابية فاشلة، بل كانت “مهمة” وظيفية أدت في النهاية إلى تآكل قدرات الدولة التركية وتعبيد الطريق أمام مشروع “إسرائيل الكبرى”.
تماثل المنهجيات بين السلطة والاحتلال
في تحليل قدمه على يوتيوب، يرى الدكتور محمود أقبينار أن هناك تشابهاً عضوياً في الأساليب المتبعة بين نظام رجب طيب أردوغان في تركيا والاحتلال الإسرائيلي في تعامله مع الفلسطينيين واللبنانيين؛ حيث يشترك الطرفان في منهجية “الاستيلاء على الممتلكات، والتهجير القسري، وتلفيق تهم الإرهاب للمعارضين” لشرعنة القمع أمام المجتمع الدولي. ويضيف أقبينار أن السلطة في تركيا استنسخت نمط التعامل الإسرائيلي عبر مصادرة الأصول المالية والحقوق الأساسية لخصومها السياسيين، تماماً كما تفعل إسرائيل مع سكان غزة، مما يظهر وحدة “العقلية” التي تدير المشهدين.
استراتيجية تفكيك القوى الإقليمية
يحلل أقبينار العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي تقوم على منع قيام أي دولة قوية في المحيط المكون من 500 مليون مسلم، معتبراً أن إسرائيل تسعى لإضعاف وتفكيك الدول المجاورة قبل أن تتحول إلى تهديد حقيقي. ويشير في هذا السياق إلى أن سوريا قُدمت لإسرائيل “على طبق من ذهب” بأيدي تركية، مما جعل المجال الجوي السوري مرتعاً للطيران الإسرائيلي. أما بالنسبة لتركيا، فيؤكد أقبينار أنها انتقلت من كونها “شريكاً استراتيجياً” في السابق إلى “هدف محتمل” ليس بسبب سياسات أردوغان، بل بسبب “إمكاناتها الذاتية” التي تخشى إسرائيل أن تقع يوماً ما في يد إدارة غير خاضعة لسيطرتها.
15 يوليو.. تقويض قوة تركيا من الداخل
يعترف الأكاديمي أقبينار بحدوث تحول في تفكيره؛ فبعدما كان يرى أحداث 15 يوليو عملية سياسية استخباراتية دبرها أردوغان وحلفاؤه للتغطية على ملفات الفساد الكبرى، بات يراها الآن وسيلة فعالة لتحقيق الأهداف الإسرائيلية. فمن خلال هذه الأحداث، تم “تفريغ” تركيا من كفاءاتها العسكرية والعلمية، حيث تم تسريح نحو 80% من قادة الأركان والعقول الاستراتيجية والطيارين المحترفين، واستبدالهم بشخصيات تدين بالولاء الشخصي وتفتقر إلى “الذكاء العسكري الاستراتيجي”. هذا الإضعاف الممنهج للجيش، إلى جانب تدمير المؤسسة القضائية والتعليمية، جعل الدولة التركية في حالة هشاشة تشبه “قوام المهلبية”، مما يسهل ابتلاعها أو توجيهها دون حاجة لصدام عسكري مباش.
الاقتصاد والسيادة.. التبعية المقنعة
يسلط أقبينار الضوء على المفارقة في الخطاب الرسمي التركي؛ فبينما يهاجم أردوغان إسرائيل علناً، تستمر السفن التركية في نقل الوقود والمؤن إلى موانئ حيفا، وتظل الزراعة التركية رهينة البذور الإسرائيلية. ويؤكد أن الاقتصاد التركي اليوم يعد من بين الأكثر هشاشة، مما يجعله عرضة للاختراق من قِبل القوى المالية العالمية المرتبطة بالصهيونية، ليصبح الوضع شبيهاً بأواخر عهد الدولة العثمانية من حيث الارتهان للديون الخارجية.
التحريض الدولي والتمهيد للعدوان
ينبه محمود أقبينار إلى خطورة التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين سابقين وحاليين، وتسريبات استخباراتية أمريكية تشير إلى أن تركيا قد تكون الهدف التالي بعد إيران. ويشير إلى أن الخطاب الإسلامي “الراديكالي” الذي تتبناه بعض الأوساط المقربة من السلطة في تركيا، والحديث عن امتلاك أسلحة نووية، يُستخدم من قِبل البروباغندا الإسرائيلية لإقناع الرأي العام العالمي بأن تركيا تشكل تهديداً للحضارة الغربية، مما يمهد الطريق لشرعنة أي عدوان مستقبلي أو تدخل دولي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.
التطورات السياقية والتحليل الختامي
تأتي هذه التحليلات في وقت تزداد فيه حدة الاستقطاب الداخلي في تركيا، حيث يرى أقبينار أن أعظم ضرر ألحقته أحداث 15 يوليو هو تدمير الوحدة الوطنية وزرع بذور الكراهية بين فئات المجتمع، مما أفقد تركيا “المقاومة المجتمعية” التي نراها في دول أخرى. ومع تزايد التقارير عن استهداف إسرائيل لمنشآت استراتيجية مثل محطة “أكويو” النووية في نقاشاتها الإعلامية، يصبح من الواضح أن تركيا باتت فوق طاولة التخطيط الجيوسياسي الإسرائيلي ككيان يراد تحجيمه وإفراغه من عوامل القوة الحقيقية.
خلاصة
يرى الأكاديمي محمود أقبينار أن أحداث 15 يوليو كانت الأداة المثالية لتفكيك مكامن القوة التركية وتحويل الدولة إلى كيان هش يخدم المشاريع التوسعية الإسرائيلية تحت غطاء من الشعارات الحماسية الجوفاء. إن تركيا اليوم، وفقاً لهذا التحليل، تواجه خطر التآكل البنيوي المتعمد الذي جعلها مكشوفة استراتيجياً وأضعف قدرتها على حماية أمنها القومي في ظل إعادة تشكيل خارطة المنطقة.

