بقلم: ياوز أجار
جاء إعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران في لحظة كان يُخشى فيها انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة. إلا أن هذه الهدنة، في جوهرها، لم تعكس تحقيق الأهداف التي سبقت التصعيد، بل كشفت عن فجوة واضحة بين الطموحات المعلنة والنتائج الفعلية.
المشهد لا يزال في طور التشكل، ما يجعل الحديث عن منتصر وخاسر أمراً سابقاً لأوانه. فالمحصلة النهائية لن تُقاس بنتائج ميدانية مباشرة، بل بما ستسفر عنه المفاوضات القادمة، خصوصاً في الملفات الأكثر حساسية المرتبطة بالطاقة والنفوذ الجيوسياسي.
الطاقة ومضيق هرمز: محور الصراع الحقيقي
يبقى العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مآلات الأزمة هو السيطرة على مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتدفق النفط العالمي، إضافة إلى مستقبل النفوذ على موارد الطاقة الإيرانية.
التحكم في مسارات الطاقة، لا سيما نحو الصين، سيشكل معياراً أساسياً للحكم على نتائج هذه المواجهة. ومن المرجح أن تتحول طاولة المفاوضات إلى ساحة حاسمة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، بما يتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر.
خسائر واشنطن: تراجع الهيبة مقابل رهانات بعيدة المدى
تكبدت الولايات المتحدة خسائر ملموسة، سواء على مستوى الكلفة الاقتصادية أو تآكل صورتها كقوة قادرة على فرض إرادتها بسرعة وحسم. فالدخول في تصعيد دون تحقيق نتائج استراتيجية واضحة يعكس حدود القوة العسكرية في مواجهة بيئة إقليمية معقدة.
مع ذلك، لا يمكن استبعاد سعي واشنطن إلى تحويل مسار الأزمة لصالحها عبر المفاوضات. فإذا تمكنت من فرض دور مؤثر في إدارة خطوط الطاقة المتجهة شرقاً، فقد يُعاد تفسير هذا التراجع الظاهري كنجاح استراتيجي مؤجل.
إسرائيل ولبنان: ساحة تفجير التوازنات
برزت إسرائيل كعامل حاسم في تقويض استقرار الهدنة، من خلال تصعيد عسكري واسع ضد لبنان، شمل ضربات عنيفة طالت مناطق متعددة بينها العاصمة بيروت، وأسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
هذا التصعيد لم يكن مجرد تحرك عسكري محدود، بل حمل أبعاداً استراتيجية تهدف إلى استباق أي تسوية محتملة قد تقيد حرية التحرك الإسرائيلي، وإعادة رسم قواعد الاشتباك مع حلفاء إيران، وإبقاء الضغط العسكري قائماً على البيئة الإقليمية المرتبطة بطهران. وبذلك تحوّل لبنان إلى ساحة اختبار غير مباشر لمدى صلابة التفاهمات الأمريكية–الإيرانية.
تباين أمريكي–إسرائيلي: أزمة في الأولويات
تكشف التطورات عن فجوة واضحة بين مقاربة واشنطن، التي تسعى إلى احتواء التصعيد، ومقاربة إسرائيل التي تدفع نحو توسيعه. هذا التباين يضع الولايات المتحدة في موقف معقد، إذ تجد نفسها بين التزامها بدعم حليفها الاستراتيجي، وبين حاجتها للحفاظ على مسار تفاوضي هش مع إيران.
الموقف الإيراني: ربط التهدئة بالإقليم
من جهتها، تنظر إيران إلى التصعيد في لبنان باعتباره جزءاً لا يتجزأ من معادلة الصراع، وليس ملفاً منفصلاً. وقد أكدت أن استقرار أي اتفاق مع واشنطن مرهون بوقف الهجمات على حلفائها. هذا الموقف يعكس رؤية استراتيجية تعتبر أن النفوذ الإقليمي امتداد مباشر للأمن القومي الإيراني، وأن أي استهداف لهذا النفوذ يُعد تهديداً يستدعي الرد.
حدود الاتفاق الثنائي: أزمة الإطار الضيق
تكشف الأزمة الحالية عن خلل جوهري في مقاربة التهدئة، يتمثل في محاولة حصرها ضمن إطار ثنائي بين واشنطن وطهران، رغم أن الصراع بات متعدد الأطراف.
فالولايات المتحدة تميل إلى التركيز على ملفات محددة مثل البرنامج النووي وأمن الملاحة، بينما تتبنى إيران رؤية أوسع تشمل موازين القوى الإقليمية.
هذا التباين يجعل أي اتفاق لا يأخذ في الاعتبار التعقيدات الإقليمية عرضة للانهيار أو التحول إلى مجرد ترتيب مؤقت.
هشاشة ميدانية: احتمالات التصعيد قائمة
ميدانياً، أدى التصعيد في لبنان إلى ردود فعل سريعة، أبرزها إطلاق صواريخ من قبل حزب الله، ما يزيد من خطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
وفي ظل التهديدات المتبادلة، يصبح أي خطأ في الحسابات كفيلاً بإشعال صراع إقليمي يصعب احتواؤه، خاصة مع تداخل الجبهات وتشابك المصالح.
الحراك الدولي: محاولات احتواء غير مضمونة
سياسياً، حاولت إدارة ترامب التقليل من تأثير الساحة اللبنانية على الهدنة، معتبرة أنها خارج نطاق الاتفاق مع إيران. غير أن هذا الفصل النظري يواجه تحديات عملية متزايدة.
في المقابل، برزت جهود دبلوماسية مكثفة، حيث دعا الرئيس الفرنسي إلى إدماج الملف اللبناني ضمن أي تسوية لضمان استدامتها، بينما تحاول باكستان لعب دور الوسيط بين الأطراف.
إلا أن نجاح هذه الجهود يظل رهناً بقدرة الأطراف على ضبط التصعيد، وهو أمر غير مضمون في ظل المعطيات الحالية.
صراع مفتوح على إعادة تشكيل الإقليم
ما يجري يتجاوز كونه مواجهة عسكرية محدودة، ليعكس صراعاً أوسع على إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة تسعى إلى إدارة الانسحاب من التصعيد دون خسارة نفوذها، بينما تحاول إيران تثبيت موقعها كفاعل إقليمي رئيسي. في المقابل، تعمل إسرائيل على منع أي تسوية قد تعزز موقع خصومها.
هذا التداخل يجعل من أي هدنة مجرد محطة مؤقتة ضمن صراع طويل الأمد.
الهدنة الأمريكية–الإيرانية تبدو ترتيباً انتقالياً هشاً، يتأثر مباشرة بتطورات الساحات الإقليمية وعلى رأسها لبنان. مستقبل الصراع سيتحدد عبر توازنات الطاقة والنفوذ، لا عبر نتائج المواجهة العسكرية المباشرة.

