بقلم: سليم نيازي أوغلو
شهدت أروقة الملاحة الدولية انعطافة حادة ومفاجئة عصفت بآمال الاستقرار في مضيق هرمز، حيث تراجعت طهران عن قرارها السابق بفتح الممر المائي الحيوي، موجهةً أوامر صارمة لقواتها المسلحة بفرض سيطرة مطلقة وإعادة إغلاقه أمام حركة العبور.
هذا التبدل الدراماتيكي في الموقف الإيراني جاء كرد فعل مباشر على الحزم الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي ربط رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية بالوصول إلى تسوية شاملة تضع حداً للحرب وتعالج المعضلات العالقة، وفي مقدمتها الطموحات النووية الإيرانية. وبذلك، تبددت أجواء التفاؤل التي لم تدم سوى ساعات قليلة، بعد أن كانت ناقلات النفط والغاز قد بدأت بالفعل في استئناف حركتها، مما أعطى إشارات طمأنة مؤقتة لأسواق الطاقة العالمية.
التصعيد الميداني وتهديد الملاحة الدولية
انتقل المشهد من التهدئة الدبلوماسية إلى حافة الصدام العسكري المباشر، حيث أعلنت القيادة العسكرية الإيرانية عودة المضيق لـ “السيطرة الصارمة”، مهددةً باستمرار المنع ما دامت العقوبات الأمريكية قائمة. ولم يقتصر الأمر على التصريحات، بل ترجم على أرض الواقع من خلال حوادث أمنية خطيرة وثقها الجيش البريطاني، تمثلت في تعرض ناقلة نفط لإطلاق نار من قبل زوارق تابعة للحرس الثوري، في حين اضطرت سفن أخرى، من بينها ناقلة عملاقة ترفع العلم الهندي، إلى تغيير مساراتها تحت وطأة التهديد المباشر. هذه التطورات أدت إلى ارتباك واسع في حركة الشحن، حيث أجبرت أساطيل من الناقلات المحملة بالغاز والمنتجات الكيماوية على التراجع، مما يعكس الهشاشة البالغة للأمن البحري وارتباطه الوثيق بالقرار السياسي.
تبعات الأزمة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة
ألقى الإغلاق بظلاله الثقيلة على مؤشرات الاقتصاد العالمي، إذ تسبب في قفزة سريعة لأسعار النفط والغاز، مجهضاً المكاسب التي حققتها البورصات الأوروبية والأمريكية عقب فترة الانفراج القصيرة. وفي محاولة استباقية لاحتواء تداعيات نقص الإمدادات، اتخذت واشنطن خطوة استراتيجية بتمديد إعفاء النفط الروسي المنقول بحراً من العقوبات لمدة شهر إضافي، سعياً لتخفيف الضغط المتزايد على الأسواق. وتكشف هذه التحركات أن الصراع تجاوز كونه خلافاً على ممر مائي ليصبح “حرب إرادات” اقتصادية، حيث تستخدم طهران المضيق كأداة ضغط استراتيجية، بينما تراهن واشنطن على سلاح الحصار لانتزاع تنازلات جوهرية.
التحرك الدولي وصياغة قوة حماية متعددة الجنسيات
أمام هذا التهديد الوجودي لشرايين التجارة العالمية، برزت تحركات دولية مكثفة بقيادة أوروبية لتأمين المضيق، حيث احتضنت باريس اجتماعاً ضم نحو ثلاثين دولة برئاسة إيمانويل ماكرون وكير ستارمر لبحث تشكيل قوة بحرية مشتركة. وقد أعربت أكثر من اثنتي عشرة دولة عن استعدادها الفوري للمشاركة في مهمة “سلمية دفاعية” تهدف لضمان حرية الملاحة وتطهير الممر من الألغام البحرية. ويرى المجتمع الدولي في هذه القوة حلاً طويل الأمد يكتسب شرعية دولية واسعة، خاصة مع إصرار لندن على ضرورة فتح المضيق دون قيود أو رسوم مالية، وضمان تدفق السلع الاستراتيجية بعيداً عن التجاذبات العسكرية.
المسار الدبلوماسي المتعثر ومخاطر المواجهة الشاملة
يضع هذا التصعيد الهدنة القائمة على شفا الانهيار، مما يهدد بنسف الوساطة التي تقودها باكستان للوصول إلى اتفاق دائم. إن التضارب في المواقف بين تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي وعد بفتح المضيق للسفن التجارية، وبين تشدد الإدارة الأمريكية في ملف العقوبات، خلق فجوة عميقة أدت إلى تآكل الثقة بين الطرفين. ويشير الواقع السياقي الحالي إلى أن المنطقة باتت أمام سيناريوهين؛ إما العودة إلى طاولة مفاوضات شاملة تعالج جذور الصراع، أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية كبرى قد تشمل أطرافاً إقليمية ودولية متعددة، في ظل استمرار استهداف السفن الذي طال نحو ثلاثين ناقلة منذ بداية النزاع.
هرمز: أداة لصراع النفوذ بين الشرق والغرب
تثبت الأحداث الأخيرة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد جغرافيا بحرية، بل تحول إلى “رهينة سياسية” في صراع النفوذ بين الشرق والغرب. إن لجوء إيران لإغلاق المضيق مجدداً يعكس قناعة طهران بأن التهديد بقطع إمدادات الطاقة هو السلاح الوحيد القادر على موازنة التأثير المدمر للعقوبات الأمريكية. ومن منظور أعمق، فإن التدويل الوشيك لحماية المضيق عبر قوة متعددة الجنسيات قد ينهي عقوداً من الهيمنة الإيرانية المنفردة على أمن هذا الممر، مما يفتح فصلاً جديداً من التنافس الجيوسياسي في المنطقة.
لب القول إن التراجع الإيراني عن فتح مضيق هرمز أدى إلى تعميق أزمة الطاقة العالمية ووضع الهدنة على حافة الانهيار، وسط ترقب دولي لمواجهة محتملة. بات المضيق ساحة صراع مفتوحة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية الأمريكية مع المناورات العسكرية الإيرانية، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لتأمين الملاحة.

