تتصاعد في تركيا النقاشات بشأن التحقيقات القضائية التي طالت بلدية أنقرة برئاسة منصور يافاش، وسط اتهامات متكررة للسلطة باستخدام أدوات القضاء لإضعاف المعارضة، وتحديداً حزب الشعب الجمهوري.
الصحفي والأكاديمي المخضرم البروفيسور ممتازر توركونه قدّم في مقابلة إعلامية مع زميله روشن شاكر تحليلاً مختلفاً، اعتبر فيه أن التطورات الأخيرة تكشف أزمة أعمق داخل المنظومة القضائية والسياسية في البلاد.
البعد السياسي: منصور يافاش تحت المجهر
يشير توركونه إلى أن استهداف بلدية أنقرة لم يكن مفاجئاً، خصوصاً أن رئيسها منصور يافاش يُنظر إليه منذ سنوات كأحد أبرز المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية. فالرجل ذو الخلفية القومية الذي أصبح رمزاً للمعارضة في العاصمة، يُعدّ ثاني أبرز شخصية بعد أكرم إمام أوغلو في معادلة المنافسة على رئاسة الجمهورية. ورغم أن التحقيق الأخير لم يذكر اسمه مباشرة، إلا أن بلديته باتت في قلب العاصفة.
مقارنة بين أنقرة وإسطنبول
يرى توركونه أن ما يجري في أنقرة لا يمكن فصله عن المشهد المتوتر في إسطنبول، حيث انعقد مؤتمر الحزب بالتوازي مع بدء التحقيقات في العاصمة. ويؤكد أن الصراع القضائي بات يفتح أزمات جديدة داخل صفوف حزب العدالة والتنمية أكثر مما يضر حزب الشعب الجمهوري، مشيراً إلى أن محاولات “تشويه صورة المعارضة عبر القضاء” تجاوزت حدودها، وأصبحت تعود بنتائج عكسية، إذ تزيد من التفاف الشارع حول الحزب المعارض بدلاً من عزله.
ارتباك في استراتيجية السلطة القضائية
بحسب تحليل توركونه، فإن العمليات القضائية الأخيرة تعكس حالة من “الفوضى وعدم التنسيق” داخل السلطة. فبينما تواصل محكمة في إسطنبول ملاحقة قضايا مثيرة للجدل رغم مخالفتها الواضحة للدستور، تظهر في أنقرة ممارسات مختلفة، حيث يستخدم القضاء أدواته بشكل غير منسّق، ما يكشف عن غياب التخطيط المركزي وارتجال القرارات من قبل قضاة “يستخرجون واجباتهم من الظروف السياسية“.
تأثير التحقيقات على منصور يافاش
يلفت توركونه إلى أن تحقيق أنقرة اتخذ منحى مغايراً عن باقي التحقيقات التي استهدفت بلديات الشعب الجمهوري. فبدلاً من إضعاف منصور يافاش، أتاح له التحقيق الفرصة لمهاجمة سلفه في رئاسة بلدية أنقرة، مليح غوكشيك، الذي يواجه في الذاكرة الشعبية اتهامات ضخمة بالفساد وسوء الإدارة، خاصة ما ارتبط بمشروعات “الديناصورات” المثيرة للجدل. وهكذا، تحولت المحاولة لإضعاف يافاش إلى منصة سياسية عززت موقعه أمام الرأي العام.
انهيار الثقة بالقضاء
يشدد توركونه على أن ما يجري لا يقتصر على معركة سياسية، بل يعبّر عن أزمة عميقة في النظام القضائي التركي. فقرارات بعض المحاكم، مثل ما حدث في قضية إسطنبول، تُظهر انحرافاً خطيراً عن مبادئ الدستور وتجاهلاً لصلاحيات الهيئات العليا مثل المجلس الأعلى للانتخابات. ويصف هذه الممارسات بأنها أقرب إلى “القرصنة القضائية” التي تُقوّض ثقة الشارع في العدالة.
تداعيات على صورة حزب العدالة والتنمية
يخلص توركونه إلى أن هذه التطورات انعكست سلباً على صورة الحزب الحاكم، إذ بدا وكأنه حزب “يفتقر للقوة ويستند إلى قضاء منهك ومنقسم للبقاء في السلطة”. وهو ما عزز الانطباع الشعبي بأن حزب العدالة والتنمية يعيش ذروة تآكل شرعيته السياسية، بينما المعارضة تزداد تماسكا أمام هذه الهجمات القضائية.

