تشير البيانات المالية الصادرة عن مديرية الأمن التركية إلى ارتفاع لافت في ميزانية وحدة الحماية الرئاسية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وضغطاً متزايداً على الموازنة العامة.
الأرقام الجديدة تكشف أن الإنفاق على حماية الرئيس رجب طيب أردوغان وعائلته بلغ مستويات غير مسبوقة، متجاوزاً ميزانيات وحدات شرطية محورية، في ظل انتقادات سياسية داخلية تتعلق بغياب التوازن في إدارة الموارد العامة.
إنفاق يتجاوز ملياري ليرة… وكلفة ساعة الحماية تصل إلى 8,520 دولاراً
تؤكد البيانات أن وحدة الحماية الرئاسية أنفقت 2.26 مليار ليرة تركية خلال الفترة بين يناير وسبتمبر، منها 260.5 مليون ليرة في شهر سبتمبر وحده. وبناءً على هذا المعدل الشهري، وصلت الكلفة التشغيلية للوحدة إلى نحو 361,860 ليرة في الساعة، أي ما يعادل 8,520 دولاراً.
ويعكس هذا الإنفاق اتجاهاً تصاعدياً مستمراً خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت ميزانية حماية الرئاسة أعلى من مخصصات إدارات شرطية حيوية تشمل الاستخبارات ومكافحة الإرهاب والجريمة الإلكترونية وتهريب المخدرات.
تقديرات وسائل الإعلام التركية تشير إلى أن طاقم الحماية الرئاسية يضم نحو 2,500 عنصر، ما يفسّر جزئياً حجم الميزانية، لكنه لا يخفف من حدة الجدل الداخلي حول أولوية هذا الإنفاق مقارنة بالقطاعات الأخرى.
انتقادات للمعارضة: الإنفاق “أمر اعتيادي” رغم الضائقة الاقتصادية
عبّر نواب من المعارضة عن استيائهم من استمرار الزيادة في مخصصات الحماية الرئاسية، معتبرين أن مثل هذه النفقات تُعامل كجزء “عادي” من ميزانية الدولة، رغم معاناة ملايين الأسر من تقلّص قدرتها الشرائية.
المقارنة بين الكلفة اليومية للحماية—التي تبلغ نحو 8.3 مليون ليرة—والحد الأدنى للأجور تكشف فجوة اجتماعية حادة، إذ يساوي هذا الإنفاق اليومي مجموع الرواتب الشهرية لحوالي 375 عاملاً يتقاضون الحد الأدنى، المحدّد بـ22,104 ليرة.
تصاعد سنوي رغم برامج التقشف
تُظهر السجلات الرسمية ارتفاع ميزانية الحماية الرئاسية من 263 مليون ليرة في عام 2020 إلى أكثر من 2.29 مليار ليرة العام الماضي. وتشير بيانات هذا العام إلى أن الإنفاق في الأشهر التسعة الأولى يكاد يلامس كامل ميزانية العام الماضي.
ويأتي هذا التسارع في وقت تطبق فيه وزارة المالية برنامجاً واسعاً لتقليص العجز وضبط التضخم، يشمل تقييد التوظيف الحكومي وتخفيض نفقات النقل في المؤسسات العامة.
لكنّ التباين واضح: برنامج التقشف لا يبدو أنه يشمل الإنفاق على مؤسسة الرئاسة، الأمر الذي تدعو المعارضة إلى إعادة النظر فيه باعتباره “تناقضاً صارخاً” بين سياسات الدولة وما يواجهه المواطن من أعباء معيشية وضغوط اقتصادية.
سياق أوسع: أولويات الإنفاق والشرعية السياسية
يثير التضخم المتواصل في كلفة حماية الرئيس نقاشاً متصاعداً حول أولويات الإنفاق العام، في ظل أزمة اقتصادية تتسم بتراجع القوة الشرائية، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة الأعباء على الطبقات المتوسطة والدنيا.
ويرى مراقبون أن تفضيل الإنفاق على الجهاز الرئاسي، مقابل تقليص نفقات قطاعات حيوية، يترك أثره على شرعية السياسات الاقتصادية، ويعمّق فجوة الثقة بين الحكومة والرأي العام.

