رأى البروفيسور صواش جنتش، المحلل السياسي المتخصص في العلاقات الدولية، أن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي تعبّر عن تصدّع عميق داخل التحالف الحاكم في تركيا، منوهًا بأن هذه التصريحات تمثل خروجاً لافتاً عن الاصطفاف التقليدي مع حزب العدالة والتنمية، وتكشف عن أزمة تتعمق يوماً بعد يوم في بنية النظام.
فقد دعا بهجلي السلطة إلى توضيح موقفها من قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، إما من خلال تبرئته أو محاكمته بناءً على أدلة ملموسة تقنع الرأي العام، مشيراً إلى أن بقاء القضية في هذه الحالة المعلقة غير مقبول. واعتبر جنتش أن هذه الدعوة بمثابة رسالة مباشرة إلى القصر الرئاسي (أردوغان)، تعني بوضوح ضرورة إنهاء هذه القضية بشكل أو بآخر في أسرع وقت ممكن.
حسابات السلطة: من إسقاط إمام أوغلو إلى تقسيم المعارضة
أشار جنتش إلى أن المخطط الذي كانت السلطة تعدّه منذ البداية كان يقوم على ضرب المعارضة عبر القضاء، كما حصل في بلديات مثل إسنيورت وبشكتاش، حيث تم فرض وصاية قضائية (تعيين أوصياء) عليهما، والهدف النهائي هو إسقاط أكرم إمام أوغلو، ثم السيطرة على بلدية إسطنبول، وأخيراً فرض وصاية على حزب الشعب الجمهوري وتفكيكه من الداخل، ما يسهل السيطرة على المشهد السياسي في الانتخابات المقبلة.
لكن بحسب جنتش، فإن هذه الخطة فشلت في ركيزتين أساسيتين، الأولى أن الرأي العام لم يقتنع بشرعية القضية، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن حوالي 70% من الشعب يعتقد أن القضية ذات دوافع سياسية تهدف إلى عرقلة إمام أوغلو، المنافس الأقوى لأردوغان. أما الثانيبة فإن التحركات الشعبية، ولا سيما من فئة الشباب والجامعيين، شكلت عنصر مقاومة غير متوقع لدى السلطة، وأعاقت تطبيق سيناريو الانقلاب القضائي بصورة كاملة.
صلابة موقف إمام أوغلو وارتداداته على النظام
أكد جنتش أن إمام أوغلو لم يظهر أي تراجع في موقفه، بل على العكس، أطلق رسائل تحدٍ مباشرة إلى الرئيس رجب طيب أردوغان عقب تصريحات بهجلي، قال فيها إن “الطريق الذي تسلكه ليس إلا نفقاً مسدوداً”، وهدد صراحة بمحاسبة من يحاكمونه، حتى لو أدى ذلك إلى سجنه مدى الحياة.
وأضاف جنتش أن هذا الموقف الصلب من إمام أوغلو هو الذي دفع حتى بهجلي إلى التراجع أو على الأقل إلى فتح ثغرة في جدار السلطة، حين استخدم تعبيراً ثورياً في هذه المرحلة بقوله: “إن كان بريئاً فليُفرَج عنه”.
حملة مضادة وتلميحات برضى رئاسي عن بطء القضاء
تسربت في الآونة الأخيرة، معلومات تفيد بأن الرئيس أردوغان غير راضٍ عن أداء القضاء في قضية إمام أوغلو، حيث قيل إنه عبّر عن امتعاضه قائلاً: “أين النتيجة؟ أين الحُكم؟ ألم تكن الملفات ضد إمام أوغلو قوية بما فيه الكفاية؟”.
ورغم أن دائرة الاتصال بالرئاسة سارعت إلى نفي هذه التسريبات، إلا أن مجرد تداولها يعكس عمق القلق داخل أروقة السلطة، ويشير إلى أن هناك تذمراً داخلياً من بطء تنفيذ سيناريو السيطرة القضائية، ربما بسبب التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنفجر في وجه النظام.
رؤية المعارضة: ضرورة تجاوز الرمزية والانتقال إلى المبادرة
رأى جنتش أن حزب الشعب الجمهوري بدأ بتحركات رمزية، لكنه بحاجة ماسة للانتقال إلى خطوات بنيوية. فتنظيم زيارات إلى معاقل حزب العدالة والتنمية في سامسون ويوزغات أمر مهم، لكنه غير كافٍ. واعتبر أن الحزب بحاجة إلى تحويل القضية إلى مطلب وطني يتجاوز شخص إمام أوغلو، وذلك عبر رفع شعار: “لا نطالب بحرية إمام أوغلو فقط، بل بحرية القضاء في تركيا”.
وتابع المحلل التركي أنه يجب على الحزب أن يطالب بشكل واضح بـإصلاح قضائي شامل، يتم التوافق عليه في البرلمان بين جميع القوى السياسية، بما في ذلك إصلاح المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين (HSK) والمجلس الأعلى للانتخابات (YSK)، اللذين يعتبران الذراع المؤسساتية لانحياز الدولة، حسب تعبيره.
دعوة إلى احتجاجات دورية رمزية أمام القصور العدلية
اقترح جنتش، كنموذج عملي، أن ينظم الحزب وقفات احتجاجية أسبوعية أمام جميع القصور العدلية في البلاد، تماماً كما تفعل “أمهات السبت”، لخلق حالة ضغط شعبي مستمر على القضاة والمدعين العامين، مشدداً على أن رسالة هذه الوقفات يجب أن تكون: “أنتم قضاة الشعب، لا قضاة القصر”.
واعتبر جنتش أن هذا النوع من الحراك السلمي والمستمر هو السبيل لإحداث تأثير على السلطة القضائية التي تُستخدم كأداة سياسية، مؤكداً أن العودة إلى المسار الديمقراطي لا يمكن أن تتحقق دون تفكيك البنية القضائية الهرمية المسيّسة.
القضاء كأداة سياسية ومعركة السيطرة على إسطنبول
اختم جنتش تحليله بالتأكيد على أن القضية في جوهرها ليست قضية فرد أو بلدية، بل معركة على إسطنبول، باعتبارها مركز الثقل السياسي والاقتصادي في البلاد. ويرى أن أردوغان يعتقد أن السيطرة على إسطنبول هي المدخل الوحيد لإنعاش الاقتصاد المنهار، عبر تحويل المدينة إلى “مورد مالي”، في ظل غياب أي رؤية اقتصادية جديدة تتماشى مع التحولات العالمية مثل الثورة الرقمية أو الذكاء الاصطناعي.

