كشفت نتائج التشريح الطبي عن معطى مفصلي غيّر الرواية المتداولة حول الهجوم المسلح الذي شهدته مدينة كهرمان مرعش، وأودى بحياة عشرة أشخاص، بينهم طلاب ومعلم. فخلافًا لما أُعلن في الساعات الأولى، تبيّن أن منفّذ الهجوم، عيسى أراس مرسينلي، لم يُقدم على الانتحار، بل توفي نتيجة إصابة قاتلة بسلاح أبيض خلال محاولة السيطرة عليه داخل المدرسة.
هذا التحول في توصيف سبب الوفاة يسلّط الضوء على لحظات الفوضى التي رافقت الهجوم، كما يعيد تقييم دور التدخلات الفردية في الحد من تفاقم الكارثة.
تفاصيل الواقعة: تدخل مدني غيّر مسار الأحداث
وقعت الحادثة داخل مدرسة “آيسر جالك” المتوسطة في منطقة أونيكي شباط، حيث نفّذ الطالب البالغ من العمر أربعة عشر عامًا هجومًا مسلحًا أسفر عن مقتل تسعة طلاب وأحد المعلمين، وإصابة عشرين آخرين.
بحسب إفادات الشهود، كان تدخل أحد أولياء الأمور، ويدعى نجم الدين بكجي، نقطة تحول في مسار الحادث. إذ سارع الرجل إلى المدرسة بعد سماعه أصوات إطلاق نار، ليجد الطلاب يفرّون عبر النوافذ في مشهد يعكس حجم الهلع.
عند دخوله المبنى، واجه المنفّذ مباشرة، بينما كان عدد من المعلمين والعاملين يحاولون السيطرة عليه. وفي لحظة اشتباك، استخدم أداة حادة — لم يتذكر مصدرها — لتوجيه ضربة إلى ساق المهاجم، بهدف منعه من النهوض أو مواصلة الهجوم.
هذا التدخل، الذي جاء بدافع حماية الأطفال، أسهم فعليًا في شل حركة المنفّذ، لكنه أدى في النهاية إلى إصابة قاتلة نتيجة نزيف حاد.
تقرير الطب الشرعي: تحديد سبب الوفاة
أكد تقرير التشريح أن الوفاة نجمت عن جرح نافذ في الساق اليمنى، تسبّب بتمزق أحد الأوعية الدموية الرئيسية وحدوث نزيف خارجي شديد.
وأشار التقرير إلى أن الإصابة ناتجة عن أداة حادة ذات طرفين مختلفين، أحدهما قاطع والآخر كليل، ما يتطابق مع رواية الاشتباك الجسدي.
وبذلك، تُدحض فرضية الانتحار التي انتشرت في البداية، ويُثبت أن الوفاة وقعت أثناء محاولة السيطرة على المنفّذ.
خلفية المنفّذ: مؤشرات مبكرة على العنف
أظهرت التحقيقات الرقمية أن المنفّذ كان يمتلك خبرة ملحوظة في التعامل مع الأسلحة، رغم صغر سنه. فقد تم العثور على تسجيلات تُظهره وهو يحمّل ذخيرة في مخزن مسدس بطريقة احترافية، خلال محادثات عبر الإنترنت.
كما كشفت مقاطع أخرى أنه تلقى تدريبًا عمليًا على إطلاق النار في ميدان مفتوح، بإشراف مباشر من والده، أوغور مرسينلي، وهو ضابط رفيع في جهاز الأمن.
هذه المعطيات تثير تساؤلات جدية حول سهولة وصوله إلى السلاح داخل المنزل، وحدود الرقابة الأسرية في بيئات تمتلك أدوات خطرة.
البعد النفسي: خطاب العزلة والتفوق
قبل أيام من تنفيذ الهجوم، ترك المنفّذ نصًا يكشف عن حالة نفسية معقدة، تتداخل فيها مشاعر العزلة مع نزعة واضحة نحو التعالي الذاتي.
في مذكراته، عبّر عن شعور دائم بالوحدة، مؤكدًا أنه لم يكن قادرًا على الاندماج اجتماعيًا، رغم محاولاته. لكنه في الوقت نفسه رفض تفسير سلوكه بالعزلة وحدها، معتبرًا أن ما يخطط له يتجاوز هذا العامل.
كما أظهر النص اعتقادًا راسخًا بتفوقه العقلي، حيث وصف نفسه بأنه “أذكى من الجميع” و”أعلى من المتوسط”، مشيرًا إلى قدراته في التعلم الذاتي، خاصة في اللغة الإنجليزية، التي قال إنه أتقنها دون تعليم رسمي.
هذا التناقض بين الشعور بالدونية الاجتماعية والتفوق الذهني يعكس نمطًا معروفًا في بعض حالات العنف الفردي، حيث تتحول الحاجة إلى الاعتراف إلى دافع للتدمير.
الانقطاع عن التعليم: مسار انعزالي مبكر
تشير المعطيات إلى أن المنفّذ انسحب من النظام التعليمي في سن مبكرة، بعد أن اعتبر المدرسة بيئة غير محفزة.
وقد رأى أن التعلم الذاتي أكثر فاعلية، وهو ما عزز لديه شعور الاستقلال، لكنه في المقابل عمّق عزلته عن محيطه الاجتماعي.
هذا الانفصال المبكر عن المؤسسات التعليمية قد يكون أحد العوامل التي ساهمت في تشكل رؤيته المنغلقة للعالم.
بين العنف الفردي والخلل البنيوي
تكشف هذه الحادثة عن تداخل معقد بين عوامل فردية ومؤسسية. فمن جهة، يظهر أن المنفّذ كان يعاني من اضطراب في إدراك الذات والعلاقات الاجتماعية. ومن جهة أخرى، تبرز ثغرات واضحة في الرقابة على الأسلحة داخل البيئات المدنية، حتى في الأسر المرتبطة بالمؤسسات الأمنية.
كما يسلّط الحادث الضوء على دور الفضاء الرقمي في تشكيل السلوك، حيث يمكن للمحتوى غير المنضبط أن يعزز ميولًا خطرة لدى الأفراد، خاصة في غياب التوجيه.
في السياق الأوسع، تعكس هذه الواقعة نمطًا عالميًا متصاعدًا من “العنف الفردي المعولم”، حيث تتكرر سمات مشابهة في حوادث مختلفة: عزلة، شعور بالتفوق، سهولة الوصول إلى السلاح، وتأثيرات رقمية.

