في خطوة تعكس تحولًا في دورها الإقليمي من الوساطة السياسية إلى المشاركة الميدانية، أعلنت تركيا انضمامها إلى قوة دولية مشتركة تضم الولايات المتحدة، ومصر، وقطر، وإسرائيل، تتولى مهمة مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة والمساعدة في تحديد مواقع وجثث الرهائن الإسرائيليين المفقودين.
خلال كلمة ألقاها الرئيس رجب طيب أردوغان في القصر الرئاسي بمناسبة افتتاح العام الأكاديمي الجديد، أكد أن أنقرة ستتابع تنفيذ الاتفاق “على الأرض” وستدعم عمليات البحث والاسترداد المرتبطة بالمرحلة الأولى من اتفاق التهدئة الذي جرى الإعلان عنه هذا الأسبوع.
ملامح الاتفاق وآليات التنفيذ
تتضمن المرحلة الأولى من الاتفاق انسحابًا جزئيًا للقوات الإسرائيلية إلى خطوط محددة خلال فترة وجيزة من إقراره، يعقبها نافذة زمنية تمتد لـ72 ساعة لبدء عمليات الإفراج عن الرهائن واستعادة جثث من يُعتقد أنهم قُتلوا خلال الحرب.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر أعلنت استعدادها للعب دور الوسيط المحايد في عمليات تبادل الجثث والرهائن، وتقديم الدعم الطبي واللوجستي، غير أنها لم تُدرج ضمن القوة الخماسية رسميًا.
وأكد أردوغان أن تركيا لن تكتفي بالمراقبة التقنية بل ستسهم في الإشراف الميداني وإعادة إعمار غزة، مشيرًا إلى أن بلاده تعتبر الاستقرار الإنساني في القطاع جزءًا من مسؤوليتها الإقليمية.
التحديات الميدانية والدبلوماسية
رغم التفاؤل الحذر الذي رافق الإعلان، تواجه الخطة عقبات لوجستية وإنسانية معقدة. فالكثير من الجثث ما زالت مفقودة في مناطق دُمّرت بالكامل، فيما تشير تقارير إلى أن بعض الفصائل فقدت القدرة على تحديد مواقعها الدقيقة.
كما يعتمد نجاح الخطة على التزام الأطراف كافة بالتهدئة، وعلى تنسيق دقيق بين الجيوش وأجهزة الأمن والمراقبين الدوليين في ظروف ميدانية لا تزال غير مستقرة.
انضمام تركيا إلى القوة المشتركة يثير كذلك تساؤلات دبلوماسية، إذ إنها طرف يمتلك موقفًا سياسيًا واضحًا من الحرب في غزة، ما يجعل مشاركتها حساسة من زاوية الحياد، لكنها في الوقت ذاته تمنحها ثقلاً وتأثيرًا مباشرًا في صياغة ترتيبات ما بعد الهدنة.
السياق الدولي والحقوقي
الاتفاق الذي يُنفّذ مرحلته الأولى الآن يُعد جزءًا من إطار أمريكي من عشرين بندًا لإنهاء الحرب التي اندلعت عقب هجمات 7 أكتوبر 2023. وقد أدت تلك الحرب إلى خسائر بشرية مروعة، إذ تشير تقديرات غزة إلى مقتل أكثر من ستة وستين ألف فلسطيني منذ بدء العمليات العسكرية.
منذ ذلك التاريخ، أصدرت محكمة العدل الدولية ثلاث مجموعات من التدابير المؤقتة تطالب إسرائيل بمنع الإبادة الجماعية والسماح بدخول المساعدات الإنسانية ووقف العمليات في رفح، بينما خلصت منظمات حقوقية دولية عدة إلى أن الانتهاكات الإسرائيلية ترقى قانونيًا إلى جريمة إبادة.
وفي الأشهر الأخيرة، أكدت لجان أممية مستقلة وجمعيات دولية معنية بدراسات الإبادة الجماعية أن الممارسات الإسرائيلية في غزة — من القتل الواسع والحصار والتدمير الممنهج — تمثل تطبيقًا فعليًا لمعايير الإبادة في القانون الدولي.
دلالات المشاركة التركية
يرى مراقبون أن انضمام أنقرة إلى القوة المشتركة يعبّر عن رغبتها في تثبيت حضورها الدبلوماسي والعسكري في ملفات الشرق الأوسط الحساسة، وتأكيد دورها كقوة إقليمية قادرة على الجمع بين التأثير السياسي والقدرة الميدانية.
كما يمثل هذا الدور تحولًا في استراتيجية تركيا من مجرد الوساطة السياسية إلى المشاركة العملية في فرض التهدئة ومراقبة التزامات الأطراف، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية لإعادة بناء غزة ووقف الكارثة الإنسانية المستمرة.

