مع اقتراب الكاتب والمفكر الإسلامي التركي علي أونال من إتمام عشر سنوات خلف القضبان، تتصاعد المطالب الحقوقية والإعلامية المطالِبة بالإفراج عنه، في واحدة من أبرز القضايا التي تعكس تعقيدات المشهد القضائي والسياسي في تركيا منذ محاولة الانقلاب الغامضة في 2016.
أونال، الذي تجاوز السبعين من عمره، يقضي عقوبته في سجن إزمير، وسط تساؤلات متزايدة حول جدوى استمرار احتجازه، لا سيما بعد إسقاط أخطر التهم الموجهة إليه سابقًا، واستمرار سجنه استنادًا إلى وقائع تتعلق بعمله الصحفي والفكري.
من هو علي أونال؟
علي أونال.. كاتب ومفكر من الطراز النادر.. إذ يتميز بباعه الطويل في العلوم الإسلامية والقضايا المعاصرة للفكر الإسلامي على اختلاف مذاهبه؛ إلى جانب خبرته في الشؤون السياسية التركية والإيرانية والعربية، بفضل اطلاعه الواسع على العصر المعاش والفكر والتاريخ العالميين.
وقد ألف أونال عشرات من الكتب في هذه المجالات، أهمها “تفسير مختصر لمعاني القرآن الكريم باللغة التركية والإنجليزية”، و”مكة: درب الأنبياء” الذي يقدم فيه المبادئ العامة لفقه سير الأنبياء عليهم السلام، و”المفاهيم الأساسية في القرآن الكريم”، بالإضافة إلى “المخرج الأخير قبل انهيار الجسر” الذي يتناول فيه أهم الأحداث التي شهدتها تركيا في عهد أردوغان خلال أول 15 عامًا من حكمه وأسباب إعلانه حربًا أحاديا على فتح الله كولن وحركة الخدمة.
وكان لأونال عامود خاص في صحيفة “زمان” التي كانت أكثر الصحف مبيعًا في البلاد يحلل فيه من المنظور الإسلامي الأوضاع والأحداث في تركيا والمنطقة والعالم. وحينما قرر أردوغان إغلاق صحيفة زمان وصادرتها في 4 مارس 2016، وأغلقها في 27 من يوليو/تموز 2016 عقب الانقلاب العسكري الفاشل، كان من بين الكتاب المعتقلين.
حملة تضامن متجددة
في الأسابيع الأخيرة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة تضامن واسعة، حيث انتشرت وسوم تطالب بإطلاق سراحه وعودته إلى منزله، في تعبير عن استياء متزايد من استمرار احتجازه رغم تقدمه في السن وتدهور حالته الصحية.
وفي هذا السياق، عبّر نجله محمد أونال عن غضبه من استمرار سجن والده، مشيرًا إلى التناقض القانوني في قضيته، إذ سبق للمحاكم نفسها أن برأته من تهمة المشاركة في محاولة الانقلاب، متسائلًا عن الأساس القانوني الذي يُبقيه خلف القضبان حتى اليوم.
خلفية الاعتقال والمحاكمة
أُوقف علي أونال في أغسطس 2016، بعد أسابيع من محاولة الانقلاب، ضمن حملة اعتقالات واسعة استهدفت صحفيين وأكاديميين وكتّابًا على خلفية اتهامات بالارتباط بحركة الخدمة، المعروفة إعلاميًا باسم حركة كولن.
في نوفمبر 2018، صدر بحقه حكم بالسجن لمدة تسعة عشر عامًا ونصف عام بتهمة «تأسيس وقيادة منظمة إرهابية مسلحة»، في حين برأته المحكمة من تهمة «محاولة تقويض النظام الدستوري»، وهي التهمة الأشد التي ارتبطت مباشرة بأحداث الانقلاب.
طبيعة الأدلة المثيرة للجدل
الملف القضائي لأونال يلفت الانتباه بسبب طبيعة الأدلة التي استند إليها الادعاء العام. فقد شملت لائحة الاتهام عددًا من مقالاته المنشورة في صحيفة «زمان»، ومشاركاته في برامج تلفزيونية، ومقابلة إعلامية أجراها أمام محكمة إسطنبول، إضافة إلى كتابين من مؤلفاته.
جميع المنصات الإعلامية التي عمل معها أونال أُغلقت لاحقًا بقرارات حكومية بعد محاولة الانقلاب، بدعوى ارتباطها بحركة كولن، ما يعزز الجدل حول خلط النشاط الصحفي والفكري باتهامات أمنية ذات طابع سياسي.
توصيف دولي للاحتجاز
في تطور قانوني بالغ الأهمية، خلص فريق العمل الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي إلى أن توقيف أونال واحتجازه يندرجان ضمن الاحتجاز التعسفي، داعيًا السلطات التركية إلى إجراء تحقيق مستقل وشامل، واتخاذ خطوات جبر ضرر مناسبة بحق المتضرر ومحاسبة المسؤولين عن انتهاك حقوقه.
ورغم هذا التوصيف الدولي، لم تُسجَّل حتى مطلع 2026 أي خطوة ملموسة باتجاه إعادة النظر في الحكم أو الإفراج عنه، ما يعكس الفجوة المستمرة بين الالتزامات الدولية والممارسات الداخلية.
السياق السياسي الأوسع
قضية علي أونال لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للحملة التي أطلقها الرئيس رجب طيب أردوغان ضد حركة كولن، والتي تصاعدت بشكل حاد بعد تحقيقات الفساد في ديسمبر 2013، قبل أن تُصنَّف الحركة رسميًا كمنظمة إرهابية في مايو 2016.
عقب إعلان حالة الطوارئ في يوليو 2016، شهدت البلاد واحدة من أوسع حملات الإغلاق الإعلامي في تاريخها الحديث، حيث أُغلقت مئات المؤسسات الصحفية والإعلامية بقرارات استثنائية، وكان النصيب الأكبر من هذه الإجراءات موجهًا ضد وسائل الإعلام المحسوبة على حركة كولن، إلى جانب منابر كردية ويسارية.
المشهد الإعلامي تحت الضغط
لا تزال أوضاع حرية الصحافة في تركيا تشهد تراجعًا ملحوظًا، مع استمرار سجن عشرات الصحفيين حتى اليوم. وقد عكست التقارير الدولية الحديثة هذا التدهور، حيث جاءت تركيا في مرتبة متأخرة عالميًا على صعيد حرية الإعلام، في مؤشر على بيئة متزايدة التضييق على العمل الصحفي المستقل.
في هذا الإطار، تُعد قضية أونال نموذجًا صارخًا لكيفية استخدام القوانين الجنائية وقوانين مكافحة الإرهاب لتجريم التعبير السلمي والعمل الفكري، ضمن مناخ سياسي مشحون بالاستقطاب.
بين القانون والإنسانية
مع اقتراب علي أونال من إتمام عقد كامل في السجن، تتقاطع الأسئلة القانونية مع الاعتبارات الإنسانية. فالرجل الذي لم يُدن بمحاولة الانقلاب، ولم تُقدَّم بحقه أدلة تتجاوز كتاباته ونشاطه الإعلامي، لا يزال يقضي حكمًا ثقيلًا، في وقت تتزايد فيه الدعوات لإعادة النظر في قضيته باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لاستقلال القضاء واحترام حرية التعبير.
الخلاصة
قضية علي أونال تتجاوز شخصه لتكشف عن أزمة أعمق في العلاقة بين السلطة والقضاء وحرية الصحافة في تركيا. ومع اقتراب عقد من السجن، تتحول المطالبة بالإفراج عنه إلى عنوان أوسع لسؤال العدالة المؤجلة.

