أعلن صندوق تأمين الودائع التركي عن عزمه طرح عدد من الشركات والأصول في مزادات علنية خلال سبتمبر المقبل، تشمل كيانات كبرى تمت مصادرتها بدعوى ارتباطها بحركة الخدمة التي تستوحي فكر الراحل فتح الله كولن.
القرار أعاد إلى الواجهة النقاش حول شرعية مصادرة الممتلكات في تركيا ومدى توافقها مع الدستور التركي والقوانين الدولية التي تحمي حق الملكية.
الشركات المطروحة وقيمتها السوقية
بحسب الجدول الرسمي، من المقرر عرض شركة هيس كابلو للبيع في التاسع من سبتمبر، وآيدنلي للملابس الجاهزة في الثالث والعشرين، وآر إتش جي إنيرجيتورك في الرابع والعشرين، تليها استقبال للأثاث في الثلاثين من الشهر ذاته. هذه الشركات تعد من أبرز أصول مجموعة بويداك القابضة العائلية، إلى جانب مجموعة آيدنلي، وتُقدّر قيمتها الإجمالية بنحو أربعة وستين مليار ليرة تركية، أي ما يقارب ملياراً وخمسمئة وسبعين مليون دولار.
خلفية سياسية: من قضايا الفساد إلى محاولة الانقلاب
تعود جذور هذه المصادرات إلى عام 2013، حين واجه رجب طيب أردوغان، وكان حينها رئيساً للوزراء، تحقيقات في قضايا فساد شملت مقربين منه. أردوغان اتهم حركة كولن بتدبير “مؤامرة قضائية” ضد حكومته، وصعّد من استهدافها لاحقاً. وفي مايو 2016 صنفت الحكومة التركية الحركة كـ”تنظيم إرهابي”، ثم جاءت محاولة الانقلاب في يوليو من العام نفسه لتعطي دفعة غير مسبوقة لحملة الملاحقات والمصادرات التي طالت المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والشركات والأصول الفردية.
محاكمات مالكي الشركات
في حالة مجموعة آيدنلي، أُوقف مالكها عمر فاروق قاورماجي في أغسطس 2016 ضمن تحقيقات استهدفت “اتحاد رجال الأعمال والصناعيين الأتراك” (توسكون) الذي اعتبرته الحكومة الذراع الاقتصادية للحركة. رغم معاناته من مشاكل صحية خطيرة، حُكم عليه في نهاية المطاف بالسجن نحو تسع سنوات بتهم مرتبطة بالإرهاب، قبل الإفراج عنه عام 2020 تحت المراقبة القضائية.
أما في مجموعة بويداك القابضة، فقد أوقف رئيس مجلس إدارتها حاجي بويداك ومديرها التنفيذي مممدوح بويداك عام 2016، ليصدُر بحقهما في 2018 أحكام بالسجن ثمانية عشر عاماً لأحدهما وإحدى عشرة سنة وعشرة أشهر للآخر بتهم قيادة والانتماء لتنظيم إرهابي. محكمة التمييز أيدت الأحكام في 2023، وأُفرج عن حاجي بويداك في يونيو 2024 فيما بقي عدد من أفراد العائلة قيد السجن.
حجم الأصول المصادَرة
تقرير لوكالة الأناضول الرسمية نشر الشهر الماضي كشف أن السلطات التركية استولت منذ 2016 على سبعمئة وأربعٍ وثمانين شركة، قُدّرت أصولها حينها بنحو اثنين وأربعين ملياراً وثلاثمئة مليون ليرة (أربعة عشر مليار دولار وفق أسعار 2016). أما تقديرات معهد الدبلوماسية والاقتصاد (IDE) الصادر عام 2023 فذهبت أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن قيمة الأصول المصادرة منذ 2016 تصل إلى خمسين مليار دولار شملت أكثر من مليون ونصف المليون شخص، وهو ما وصفه التقرير بأنه قد يرقى إلى مستوى “الاضطهاد” و”جرائم ضد الإنسانية” بموجب القانون الدولي.
انتقادات حقوقية ودولية
منظمات حقوقية دولية حذرت من أن هذه الإجراءات تشكل عقاباً جماعياً يتجاوز فكرة المحاسبة الفردية، وتفتقر إلى الضمانات القضائية والرقابة المستقلة. منتقدو الحكومة يرون أن المزادات المقبلة تمثل تتويجاً لسياسة ممنهجة لمصادرة الممتلكات، تُستخدم فيها تهم الإرهاب كغطاء قانوني لتجريد آلاف الأفراد والعائلات من ممتلكاتهم دون محاكمة عادلة.
أبعاد اقتصادية وسياسية
إلى جانب الانعكاسات الحقوقية، يرى خبراء أن استمرار بيع الأصول المصادَرة قد يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين الدوليين حول استقرار بيئة الأعمال في تركيا، ويثير مخاوف من توظيف القضاء والهيئات التنظيمية في صراعات سياسية. كما أن توقيت المزادات، وسط أزمة اقتصادية وتراجع ثقة الأسواق، يعزز المخاوف من استخدام الأصول المصادَرة كأداة مالية لتخفيف الأعباء عن الدولة.

