اتخذت الولايات المتحدة إجراءات أمنية احترازية في جنوب تركيا مع تصاعد التوتر العسكري في الشرق الأوسط، حيث دعت مواطنيها إلى مغادرة مناطق جنوب شرق البلاد، وأمرت في الوقت نفسه بإجلاء الموظفين غير الأساسيين من قنصليتها العامة في مدينة أضنة، الواقعة قرب قاعدة إنجرليك الجوية التي تستضيف قوات أمريكية وتعد إحدى أهم المنشآت العسكرية التابعة لحلف شمال الأطلسي في المنطقة.
تأتي هذه الإجراءات في ظل تصاعد المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط عقب الضربات الأمريكية–الإسرائيلية التي بدأت في الثامن والعشرين من شباط/فبراير، وما تبعها من هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة أطلقتها إيران في عدة مناطق من المنطقة بهدف استهداف منشآت وقوات مرتبطة بالولايات المتحدة.
إجلاء جزئي للبعثة الدبلوماسية الأمريكية في أضنة
أعلنت السفارة الأمريكية في أنقرة أن وزارة الخارجية قررت إجلاء الموظفين الحكوميين غير الضروريين من القنصلية العامة في أضنة، إضافة إلى أفراد عائلات العاملين الحكوميين، وذلك نتيجة ما وصفته بمخاطر أمنية متزايدة.
ويشمل القرار القنصلية الواقعة خارج مدينة أضنة في جنوب تركيا، بالقرب من قاعدة إنجرليك الجوية، وهي قاعدة عسكرية استراتيجية تستخدمها القوات الأمريكية ومهمات الناتو منذ عقود.
كما دعت وزارة الخارجية الأمريكية جميع المواطنين الأمريكيين الموجودين في جنوب شرق تركيا إلى مغادرة المنطقة في أسرع وقت ممكن، في إطار تحذير سفر يعكس تقديرات أمنية تشير إلى احتمال اتساع نطاق التوترات العسكرية في المنطقة.
قاعدة إنجرليك في قلب الحسابات الأمنية
تحتل قاعدة إنجرليك الجوية موقعاً محورياً في هذه التطورات نظراً لأهميتها العسكرية الاستراتيجية. فالقاعدة تقع على بعد نحو عشرة كيلومترات من مدينة أضنة، وتستخدم منذ سنوات طويلة كنقطة انطلاق للعمليات العسكرية الأمريكية ومهمات حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط.
كما تستضيف القاعدة منظومات دفاع جوي وصاروخي من طراز “باتريوت”، تشرف عليها قوات إسبانية ضمن إطار مهام الحلف الدفاعية، الأمر الذي يجعلها أحد المراكز الأساسية لرصد التهديدات الصاروخية القادمة من الشرق الأوسط.
اعتراض صاروخين إيرانيين متجهين نحو تركيا
شهدت الأجواء التركية خلال الأيام الأخيرة حادثتين متتاليتين لاعتراض صواريخ باليستية أُطلقت من إيران باتجاه تركيا.
فقد تمكنت قوات الناتو، خلال الأسبوع الماضي وكذلك يوم الاثنين، من اعتراض صاروخين باليستيين كانا في طريقهما نحو الأراضي التركية، في تطور دفع أنقرة إلى توجيه تحذير شديد اللهجة.
وأوضحت وزارة الدفاع التركية أن أحد هذه الصواريخ دخل المجال الجوي التركي قبل أن تتمكن أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي التابعة لحلف الناتو من تحييده فوق منطقة شرق البحر المتوسط.
وأدى الاعتراض إلى سقوط بعض الشظايا في منطقة مفتوحة ضمن محافظة غازي عنتاب جنوب البلاد، دون تسجيل أي إصابات بشرية.
تعزيز منظومة الدفاع الصاروخي للناتو
في أعقاب الحادثة الأولى لاعتراض صاروخ إيراني الأسبوع الماضي، أعلن حلف شمال الأطلسي تعزيز وضعية الدفاع الصاروخي الباليستي في المنطقة، في خطوة تهدف إلى رفع مستوى الجاهزية العسكرية في مواجهة التهديدات المتزايدة.
ويأتي هذا القرار في وقت تواصل فيه إيران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط في إطار ردها العسكري على الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
دور القوات الإسبانية في رصد الهجوم الصاروخي
كشفت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس أن الجنود الإسبان المنتشرين في قاعدة إنجرليك كانوا أول من رصد الصاروخ الباليستي الإيراني.
وأوضحت أن القوات الإسبانية، التي تدير بطارية صواريخ “باتريوت” في القاعدة، تمكنت من اكتشاف الهجوم الصاروخي وإبلاغ الجهات المختصة به، غير أنها لم تكن الجهة التي نفذت عملية إسقاط الصاروخ.
ويعكس هذا الدور أهمية منظومات الرصد المبكر التابعة للحلف، والتي تعتمد على شبكة متعددة الجنسيات من القوات المنتشرة في قواعد مختلفة داخل تركيا.
تركيا خارج دائرة الضربات المباشرة حتى الآن
رغم تصاعد الهجمات الإيرانية ضد أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تبدو تركيا حتى الآن خارج نطاق الضربات المباشرة.
غير أن وجود قواعد عسكرية أمريكية داخل أراضيها، إضافة إلى موقعها الجغرافي القريب من مسار العمليات العسكرية في المنطقة، يجعلها ضمن دائرة المخاطر المحتملة في حال توسع التصعيد الإقليمي.
وقد أدى اعتراض الصواريخ الإيرانية في الأجواء التركية إلى زيادة المخاوف من احتمال انتقال المواجهة العسكرية إلى نطاق أوسع يشمل المجال الجوي التركي.
خلاصة
تعكس الدعوة الأمريكية لمواطنيها بمغادرة جنوب شرق تركيا وإجلاء جزء من طاقم قنصلية أضنة تصاعد المخاوف الأمنية المرتبطة بالتصعيد العسكري الإقليمي، خاصة في ظل اعتراض صاروخين إيرانيين متجهين نحو تركيا خلال أيام قليلة.
كما يبرز الدور المتزايد لحلف الناتو وقاعدة إنجرليك في منظومة الدفاع الصاروخي الإقليمي مع اتساع دائرة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

