تشهد تركيا توسعاً لافتاً في نشاط المقالع الحجرية، حيث يكشف تقرير خاص لموقع “كِصا دالغا” الإخباري، استناداً إلى بيانات رسمية، عن وجود أكثر من 2700 مقلع نشط في أنحاء البلاد.
ووفق معطيات المديرية العامة لشؤون التعدين والبترول (MAPEG) التابعة لوزارة الطاقة والموارد الطبيعية، بلغ عدد المقالع العاملة فعلياً 2788 مقلعاً بحلول عام 2026، في مؤشر واضح على تسارع استغلال الموارد الطبيعية.
هذا التوسع لا يأتي بمعزل عن الطفرة في مشاريع البنية التحتية، مثل الطرق السريعة والسدود، إضافة إلى برامج إعادة التطوير الحضري، التي رفعت الطلب على المواد الأولية للبناء إلى مستويات غير مسبوقة.
تضخم في التراخيص: من التوسع الإنتاجي إلى الاستكشافي
لا يقتصر الأمر على المقالع النشطة، إذ تشير بيانات MAPEG إلى ارتفاع إجمالي تراخيص التعدين – بما يشمل المواقع غير النشطة والاستكشافية – إلى 8828 ترخيصاً مع نهاية عام 2023، مقارنة بـ6199 ترخيصاً في عام 2010. ويعكس هذا الارتفاع تسارع المشاريع العامة والإنشائية التي تتطلب موارد ضخمة من الحجر والرمل والمواد الخام.
ورغم هذا العدد الكبير من التراخيص، فإن جزءاً فقط منها دخل مرحلة الإنتاج الفعلي. فقد أظهر تقرير النشاط لعام 2024 أن 1141 مقلعاً حصل على تصاريح إنتاج، بزيادة طفيفة عن 1104 مقالع في العام السابق.
قطاع البناء كمحرّك رئيسي للطلب
يلعب قطاع البناء دوراً محورياً في تغذية هذا التوسع، خاصة مع ازدياد الطلب على الإسمنت. فقد ارتفع عدد مقالع الحجر الجيري، المستخدم كمادة أساسية في صناعة الإسمنت، من 27 مقلعاً في 2023 إلى 42 في 2024، بنسبة زيادة بلغت 55%. وتشير التوقعات إلى احتمال استمرار هذا النمو مع حصول مشاريع جديدة على الموافقات البيئية.
كما يظهر اتجاه مماثل في مقالع الرمل والحصى، التي تُعد مكونات أساسية للخرسانة، حيث يُتوقع أن يرتفع عدد المواقع النشطة من 294 في 2024 إلى 481 في 2025، في انعكاس مباشر لتنامي الطلب على مواد البناء.
الجغرافيا الاقتصادية: تمركز وضغوط إقليمية
تميل المقالع إلى التركز بالقرب من مواقع البناء أو طرق التصدير، نظراً لارتفاع تكلفة نقل المواد الثقيلة لمسافات طويلة. هذا العامل الاقتصادي أدى إلى تكدّس المقالع في مناطق معينة، ما ضاعف الضغط البيئي على تلك المناطق.
في ولايات البحر المتوسط وغرب تركيا، مثل أنطاليا وموغلا ودنيزلي، يرتبط نشاط المقالع بشكل رئيسي بتصدير الرخام. أما في منطقة مرمرة، خاصة في مدن صناعية مثل كوجالي وبورصة، فتخدم المقالع الطلب المحلي الناتج عن مشاريع البنية التحتية والتحول الحضري المرتبط بإسطنبول.
إشكاليات التخطيط: توسع غير منضبط
يشير المهندس المعدني أوزغور توت أوغلو، من غرفة مهندسي التعدين التابعة لاتحاد غرف المهندسين والمعماريين الأتراك (TMMOB)، إلى أن تركز المقالع لا يعود فقط إلى الخصائص الجيولوجية، بل أيضاً إلى ضعف التخطيط. ويوضح أن غياب التخطيط المتكامل يسمح بإصدار تراخيص متعددة في نفس المنطقة، ما يؤدي إلى توسع غير منضبط للمقالع.
تحذيرات أكاديمية: مخاطر بيئية متفاقمة
في السياق ذاته، حذرت أبحاث تقودها البروفيسورة عطية طغرل من جامعة إسطنبول التقنية من المخاطر البيئية المتزايدة، خاصة في محيط إسطنبول، حيث يؤدي الطلب المرتفع على مواد البناء إلى استنزاف الموارد الطبيعية وتهديد التوازن البيئي.
مقاومة محلية ومسارات قانونية
تصاعدت في السنوات الأخيرة احتجاجات المجتمعات المحلية ضد مشاريع المقالع، حيث لجأ السكان إلى القضاء لوقف بعض المشاريع. ففي وادي إكزديره بولاية ريزه، نظم السكان احتجاجات ضد مقلع مرتبط بمشروع ميناء، مشيرين إلى مخاطره البيئية. كما أوقفت المحاكم توسعات في منطقة لاتموس بولاية أيدن، بسبب قربها من مواقع تحتوي على نقوش صخرية تاريخية.
ثغرات بيئية: التفاف على تقييم الأثر
تشير منظمات بيئية إلى أن بعض الشركات تلجأ إلى تقسيم المشاريع الكبيرة إلى طلبات أصغر، ما يسمح لها بتجاوز متطلبات التقييم البيئي الشامل، والحصول على الموافقات بسهولة أكبر، قبل توسيع النشاط لاحقاً.
نطاق التأثير: أراضٍ واسعة تحت الترخيص
كشفت دراسة لمؤسسة “تيما” البيئية أن 63% من أراضي 24 ولاية تركية خضعت لتراخيص التعدين، مع وجود مناطق تتجاوز فيها النسبة هذا المعدل بشكل كبير، ما يسلط الضوء على حجم التوسع وتأثيره الواسع.
محاولات المعالجة: إعادة التدوير كبديل
في مواجهة الانتقادات المتزايدة، بدأت المؤسسات الرسمية الترويج لاستخدام مخلفات التعدين في مشاريع البناء، كبديل عن فتح مقالع جديدة. وفي هذا الإطار، تمت الموافقة في عام 2024 على 29 مشروعاً لإعادة التدوير في 16 ولاية.
بين ضرورات التنمية وكلفة البيئة
تعكس هذه المعطيات معضلة معقدة تواجهها تركيا، حيث يتقاطع النمو الاقتصادي السريع مع تحديات بيئية متصاعدة. فبينما تدفع مشاريع البنية التحتية عجلة التنمية، فإنها تفرض في الوقت ذاته ضغوطاً متزايدة على الموارد الطبيعية، ما يطرح تساؤلات حول استدامة هذا النمو.
كما تكشف الظاهرة عن فجوات في الحوكمة البيئية، سواء على مستوى التخطيط أو الرقابة، في ظل تزايد الاعتماد على الموارد الاستخراجية لتغذية الاقتصاد.

