يرى الخبير التركي في العلاقات الدولية محمود آقبينار أن التحولات الجارية في الشرق الأوسط تعيد إلى الأذهان لحظة تاريخية مفصلية تعود إلى عام 1916، حين رسم الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس ونظيره الفرنسي فرانسوا جورج‑بيكو ملامح خريطة المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى عبر اتفاقية اتفاقية سايكس‑بيكو.
ففي تلك المرحلة، كانت القوى الأوروبية الكبرى تسعى إلى السيطرة على الموارد الاستراتيجية في المنطقة، وعلى رأسها النفط وممرات التجارة الحيوية. وبينما كانت الوعود تُقدَّم للعرب بإقامة كيانات سياسية مستقلة إذا ثاروا ضد الدولة العثمانية، جرى في الواقع تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية دون مراعاة للواقع الاجتماعي أو الإثني أو المذهبي.
وفق مقال آقبينار في موقع (TR724) الإخباري التركي، فإن الحدود التي تشكلت في تلك المرحلة وضعت أسسًا لنظام إقليمي هش استمر تأثيره طوال قرن من الزمن، إذ نشأت دول حديثة دون أخذ الاعتبارات الجغرافية الطبيعية أو الروابط القبلية والعرقية بعين الاعتبار، الأمر الذي أسهم في إنتاج سلسلة طويلة من الصراعات وعدم الاستقرار.
من وعد بلفور إلى نشوء إسرائيل
يضع الكاتب هذا التحول التاريخي في سياق أوسع، يبدأ بإعلان وعد بلفور عام 1917، عندما أعلن وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور دعم بلاده لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، حتى قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى.
ومع خضوع المنطقة لنظام الانتداب البريطاني بعد الحرب، بدأت موجات الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين تتوسع تدريجيًا، وصولًا إلى إعلان قيام إسرائيل عام 1948 بدعم سياسي وعسكري واضح من القوى الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
ويرى آقبينار أن هذا التحول فتح مرحلة جديدة من الصراعات الإقليمية، إذ دخلت المنطقة في حروب متكررة بين إسرائيل والدول العربية، ترافقت مع اتهامات مستمرة لإسرائيل بانتهاك حقوق الإنسان والتوسع على حساب الأراضي الفلسطينية.
مشروع الشرق الأوسط الكبير وإعادة تشكيل المنطقة
يعتقد آقبينار أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت مسارًا جديدًا لإعادة ترتيب الشرق الأوسط تحت عنوان مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهو المشروع الذي ارتبط بسياسات أمريكية هدفت إلى إعادة هيكلة المنطقة سياسيًا وأمنيًا.
وبحسب هذا الطرح، فإن عدة دول كانت تشكل تهديدًا عسكريًا لإسرائيل في الحروب العربية الإسرائيلية – مثل العراق وسوريا وليبيا ولبنان – تعرضت خلال العقود الأخيرة لعمليات تفكيك أو إضعاف سياسي وأمني.
كما يشير الكاتب إلى أن بعض الدول العربية وجدت نفسها أمام مسار تطبيع إقليمي عبر اتفاقيات إبراهيم، في ظل دعم سياسي وعسكري واقتصادي أمريكي واسع لإسرائيل.
الحرب على إيران وتداعياتها الإقليمية
في هذا السياق يضع آقبينار الحرب الدائرة ضد إيران، والتي بدأت بعملية عسكرية تحمل اسم عملية الغضب الملحمي، وهي حملة تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل بذريعة مواجهة البرنامج النووي الإيراني.
ويشير إلى أن العمليات العسكرية دخلت أسبوعها الثاني، في وقت تتعرض فيه إيران لضربات واسعة استهدفت آلاف المواقع العسكرية والبنى الدفاعية، الأمر الذي أدى إلى انهيار جزء كبير من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية.
كما أدت هذه التطورات إلى مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وسقوط آلاف الضحايا المدنيين، في حين قفزت أسعار النفط العالمية من نحو 72 دولارًا للبرميل إلى ما يقارب 90 دولارًا نتيجة تصاعد المخاوف في أسواق الطاقة.
ويحذر آقبينار من أن التوتر المتصاعد في مضيق هرمز يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي، بالنظر إلى الدور الحيوي للممر البحري في نقل إمدادات النفط العالمية.
رؤية إسرائيل لإعادة رسم الخريطة
يشير الكاتب إلى مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت بعنوان «سايكس-بيكو 2026: حان وقت إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، حيث دعت المقالة إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي في ظل ضعف إيران.
وبحسب هذا الطرح، قد يتراجع نموذج الدولة القومية في المنطقة لصالح كيانات أصغر تقوم على تحالفات قبلية أو إثنية، بما في ذلك كيانات كردية محتملة، وهو ما يرى فيه آقبينار امتدادًا لرؤية استراتيجية طويلة المدى داخل الفكر الصهيوني.
وفي هذا السياق يعتقد أن السيناريو المحتمل يقوم على إضعاف إيران عبر التوترات الإثنية والمذهبية بين الفرس والأذريين والبلوش والأكراد، بما يؤدي إلى تفكيك الدولة المركزية وإغراق المنطقة في صراعات داخلية.
الحسابات الأمريكية والصراع مع الصين
يربط آقبينار بين هذه التطورات والحسابات الاستراتيجية الأمريكية، مشيرًا إلى أن أحد الأهداف المحتملة يتمثل في تقليص قدرة الصين على الوصول إلى مصادر الطاقة في الشرق الأوسط، بما يحافظ على الهيمنة الأمريكية في سوق الطاقة العالمي.
ومع ذلك، يرى أن الدور الحاسم في دفع الولايات المتحدة نحو الحرب كان لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي سعى إلى إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانخراط في المواجهة العسكرية.
ويلفت إلى أن نتنياهو زار واشنطن سبع مرات لإقناع الإدارة الأمريكية بخوض الحرب، رغم أن ترامب كان قد وعد أنصاره خلال حملته الانتخابية بتقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
جدل داخلي أمريكي ونظرية الضغط السياسي
داخل الولايات المتحدة، يربط بعض المراقبين بين قرار الحرب والجدل المتعلق بملفات رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين، خصوصًا بعد اعتراف وزارة العدل الأمريكية بإزالة عشرات الآلاف من الوثائق المرتبطة بالقضية.
ويرى منتقدون أن حذف نحو 47 ألف ملف – بما في ذلك ملفات تتعلق باتهامات طالت ترامب – أثار شكوكًا حول احتمال استخدام القضية كورقة ضغط سياسي.
كما يتزايد الجدل داخل المجتمع الأمريكي حول جدوى الحرب، حيث يرفع بعض المنتقدين شعار أن الصراع يمثل حربًا إسرائيلية أكثر منه حربًا أمريكية، محذرين من تداعيات اقتصادية وعسكرية متصاعدة.
التحديات العسكرية واحتمالات التصعيد
يشكك آقبينار في قدرة الضربات الجوية وحدها على إسقاط النظام الإيراني، مشيرًا إلى أن تغيير النظام يتطلب عملية برية واسعة، وهو سيناريو يبدو معقدًا في ظل حجم إيران الجغرافي وبنيتها العسكرية والإدارية.
وفي هذا السياق يتحدث عن احتمال محاولة استخدام قوى كردية في غرب إيران عبر فرض منطقة حظر جوي، مع تقديم وعود بإقامة ترتيبات سياسية جديدة في المنطقة.
غير أن الكاتب يرى أن القوى الكردية قد تتردد في الانخراط في هذا المسار بسبب تجارب سابقة اعتبرت فيها نفسها ضحية تخلي القوى الكبرى عنها.
سيناريوهات مستقبلية ومخاطر الفوضى
يخلص آقبينار إلى أن الحرب قد تمتد لفترة طويلة رغم التفوق العسكري الأمريكي، إذ يمكن لإيران أن تصمد بفضل مساحتها الجغرافية الواسعة وبنيتها السياسية والعسكرية المتدرجة.
كما يحذر من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة للولايات المتحدة، وربما يكرر سيناريو تراجع الهيبة الدولية الذي واجهته واشنطن خلال حرب فيتنام.
ويضيف أن إطالة أمد الصراع قد تدفع قوى كبرى مثل روسيا والصين إلى التدخل بصورة أوسع، ما يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار الإقليمي.
انعكاسات محتملة على تركيا والمنطقة
يحذر الكاتب من أن أي تفكك واسع في الشرق الأوسط سيؤدي إلى موجات جديدة من الصراعات الداخلية والهجرة الجماعية والتوترات الطائفية والإثنية.
ويرى أن دول المنطقة، وعلى رأسها تركيا، قد تتأثر بشدة في حال انزلاق المنطقة إلى فوضى طويلة الأمد تتجاوز حتى ما شهدته سوريا خلال العقد الماضي.
وفي هذا الإطار يدعو آقبينار إلى التمسك بالقانون الدولي والدبلوماسية وتجنب الانجرار إلى أي مواجهة عسكرية مباشرة، محذرًا من محاولات جرّ دول المنطقة إلى صراع أوسع عبر عمليات استفزازية أو ما يُعرف بالعمليات ذات الراية الكاذبة.
شرق أوسط مهدد بالتفكك
في نهاية تحليله يرى آقبينار أن الحرب على إيران قد تكون جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تفكيك الشرق الأوسط إلى كيانات أصغر، على غرار ما حدث قبل أكثر من قرن مع اتفاقية سايكس-بيكو.
وبحسب هذا التصور، فإن الهدف النهائي قد يتمثل في إضعاف الدول الإقليمية الكبرى وتحويل المنطقة إلى فسيفساء من الكيانات الصغيرة المتنافسة، وهو سيناريو قد يجعل شعوب الشرق الأوسط الخاسر الأكبر في أي ترتيبات جديدة.
خلاصة
يرى الخبير التركي محمود آقبينار أن الحرب على إيران قد تكون جزءًا من مشروع أوسع لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على نحو يشبه اتفاقية سايكس-بيكو. ويشير إلى أن تفكيك الدول الكبرى في المنطقة قد يؤدي إلى مرحلة طويلة من الفوضى والصراعات الإقليمية.

