شهدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان خلال عام 2025 تدفقًا كثيفًا للملفات القادمة من تركيا، جعلها الدولة الأكثر تسجيلًا لطلبات جديدة أمام المحكمة على مستوى القارة. هذا الارتفاع لا يعكس فقط حجم الانتهاكات المدّعى بها، بل يشير إلى أزمة حقوقية بنيوية ما زالت تداعياتها مفتوحة منذ ما يقرب من عقد، وتحديدًا منذ محاولة الانقلاب في تموز/يوليو 2016.
فقد سُجّل آلاف الطلبات الجديدة ضد أنقرة خلال عام واحد، مع ارتفاع ملحوظ مقارنة بالعام السابق، رغم أن العدد لا يزال أقل من الذروة المسجلة قبل عامين. وعند احتساب عدد الطلبات قياسًا بعدد السكان، تتجاوز تركيا المتوسط الأوروبي بأكثر من الضعف، ما يضعها في موقع استثنائي داخل منظومة مجلس أوروبا.
أحكام الإدانة: العدالة والحرية في صلب الانتهاكات
في موازاة تزايد الطلبات، أصدرت المحكمة الأوروبية عشرات الأحكام في قضايا تتعلق بتركيا خلال العام نفسه. الغالبية الساحقة من هذه الأحكام انتهت بإثبات وقوع انتهاك واحد على الأقل للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، فيما لم تُسجَّل سوى حالات محدودة اعتُبر فيها عدم وجود انتهاك، أو أُغلقت بآليات إجرائية بديلة.
اللافت أن أكثر الانتهاكات التي خلصت إليها المحكمة تعلقت بالحق في محاكمة عادلة، ثم الحق في الحرية والأمن الشخصي، ما يعكس طبيعة القضايا المعروضة، المرتبطة أساسًا بسياق الاعتقال، والحبس الاحتياطي، والمحاكمات طويلة الأمد التي شابت إجراءاتها شبهات قانونية جسيمة.
تكدّس الملفات: عبء تركي على جدول أعمال المحكمة
مع نهاية عام 2025، أصبحت تركيا الدولة صاحبة أكبر عدد من القضايا العالقة أمام المحكمة الأوروبية، بفارق شاسع عن بقية الدول. ولم يتوقف هذا التراكم مع بداية العام التالي، إذ استمرت المحكمة في تسجيل مئات الطلبات الجديدة، لترتفع الكتلة الإجمالية للملفات غير المحسومة إلى مستوى غير مسبوق.
هذا الواقع دفع المحكمة إلى الاستعداد إداريًا وقضائيًا لموجة إضافية متوقعة، عبر اعتماد آليات معالجة خاصة اعتبارًا من مطلع عام 2026، في إشارة واضحة إلى أن الأزمة لم تبلغ بعد ذروتها النهائية.
الجذر المشترك: تداعيات ما بعد محاولة الانقلاب
تشير طبيعة الملفات المقدّمة إلى أن الغالبية العظمى منها تعود إلى الإجراءات التي اتخذتها السلطات التركية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة. فقد شملت هذه الإجراءات حملات اعتقال واسعة، ومحاكمات جماعية، وقرارات فصل إداري طالت قطاعات حساسة من الدولة، بينها الجيش، والشرطة، والجهاز القضائي، ومؤسسات الخدمة العامة.
العديد من هذه القضايا يرتبط باتهامات الانتماء أو الارتباط بحركة دينية اجتماعية وهي الحركة المرتبطة بالراحل فتح الله كولن، التي تنفي بشكل قاطع أي صلة لها بمحاولة الانقلاب أو بأي نشاط عنيف.
من التحقيقات إلى القطيعة الشاملة
يعود أصل الصراع بين السلطة التنفيذية وهذه الحركة إلى ما قبل الانقلاب بسنوات، وتحديدًا إلى تحقيقات فساد طالت مستويات عليا في الدولة. منذ ذلك الحين، دخل الطرفان في مسار تصعيدي انتهى بتصنيف الحركة كتنظيم إرهابي، ثم تحميلها المسؤولية الكاملة عن محاولة إسقاط النظام.
بعد إعلان حالة الطوارئ، فُتح الباب أمام إصدار مراسيم استثنائية مكّنت السلطة من إعادة تشكيل مؤسسات الدولة خارج الرقابة البرلمانية أو القضائية. وبموجب هذه المراسيم، جرى فصل عشرات الآلاف من الموظفين العموميين بشكل فوري، بينهم آلاف القضاة وأعضاء النيابة، إضافة إلى أعداد كبيرة من العسكريين.
الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي: ما بعد الفصل الوظيفي
لم تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على فقدان الوظيفة، بل امتدت إلى فرض قيود شاملة على الحياة المهنية والشخصية للمفصولين. فقد مُنعوا من العودة إلى الخدمة العامة، وحُرموا من جوازات السفر، كما وُضعت إشارات في أنظمة الضمان الاجتماعي حالت دون اندماجهم الطبيعي في سوق العمل الخاص.
نتيجة لذلك، اضطر كثيرون إلى العمل في وظائف غير مؤمّنة، تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة المهنية، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى حوادث عمل قاتلة. كما كُشف عن حالات وفاة مأساوية، شملت انتحار أفراد تحت وطأة الضغط النفسي والاقتصادي، أو وفاتهم قبل صدور قرارات لاحقة بإعادتهم إلى وظائفهم بعد سنوات من الانتظار.
إعادة متأخرة وعدالة منقوصة
رغم أن السلطات أعادت عددًا من المفصولين إلى أعمالهم خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذه الخطوات جاءت في كثير من الأحيان بعد فوات الأوان، سواء من حيث الخسائر المعنوية أو الاجتماعية أو الصحية. هذا التأخير أصبح عنصرًا إضافيًا في الملفات المعروضة أمام القضاء الأوروبي، بوصفه شكلًا من أشكال الانتهاك المستمر.
مقارنة أوروبية: الفجوة الواسعة
عند مقارنة وضع تركيا بدول أخرى، يظهر الفرق بوضوح. فحتى دول تشهد نزاعات أو تحولات سياسية حادة، أو تلك التي خرجت من منظومة مجلس أوروبا، تأتي بأعداد أقل بكثير من القضايا العالقة. في المقابل، تسجل دول كبرى في أوروبا الغربية أرقامًا محدودة للغاية، ما يعكس اختلافًا بنيويًا في طبيعة العلاقة بين الدولة، والقضاء، وحقوق الأفراد.
أفق مفتوح على مزيد من التصعيد
وفق تقديرات قضائية، قد تشهد المحكمة الأوروبية خلال الفترة القريبة المقبلة موجة ضخمة جديدة من الطلبات المرتبطة بملفات الفصل الجماعي بعد الانقلاب. وفي حال تحققت هذه التوقعات، فإن ذلك سيضع تركيا أمام اختبار حقوقي طويل الأمد، تتجاوز تداعياته الأبعاد القانونية إلى صلب علاقتها بالمؤسسات الأوروبية.
الخلاصة
تعكس أرقام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عمق الأزمة الحقوقية في تركيا، واستمرار آثار الإجراءات الاستثنائية لما بعد عام 2016. ومع تزايد الملفات وتراكم الأحكام، تبدو المسألة أبعد من كونها نزاعًا قانونيًا، لتتحول إلى سؤال مفتوح حول سيادة القانون ومستقبل العدالة.

