بقلم: ياوز أجار
تُظهر التجربة السياسية في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة أن أزمة الدولة لا تنبع فقط من ضعفها المؤسسي، بل من طبيعتها الإقصائية في كثير من الحالات. فغياب الديمقراطية، وتآكل سيادة القانون، وحرمان فئات اجتماعية أو قومية أو مذهبية من الاعتراف الدستوري الكامل بحقوقها السياسية والثقافية والأمنية، أسهم في إنتاج بيئة قلق دائم لدى الكيانات الأقلوية، جعلت من السلاح والعنف وسيلة دفاع ذاتي في نظرها، لا خيارًا أيديولوجيًا مجردًا.
في هذا السياق، لم تعد الميليشيات ظاهرة استثنائية مرتبطة بظروف انهيار مؤقتة، بل تحوّلت إلى مكوّن بنيوي في النظام السياسي، ينافس الدولة على احتكار العنف المشروع، ويبرر وجوده باستمرار فشل الدولة في التحول إلى كيان جامع لجميع مواطنيها.
منطق الخوف المتبادل: كيف تُنتج الدولة والميليشيا بعضهما بعضًا؟
تقوم العلاقة بين الدولة المركزية والكيانات المسلحة ذات الطابع الأقلوي على منطق أمني دائري. فالدولة، التي غالبًا ما تُدار بمنطق الغلبة لا التمثيل، تنظر إلى هذه الكيانات باعتبارها مشاريع انفصالية كامنة أو تهديدًا لوحدة الإقليم والسيادة. في المقابل، ترى الأقليات المسلحة أن الدولة غير محايدة، وأن مؤسساتها العسكرية والأمنية تُستخدم كأدوات هيمنة أكثر من كونها أطر حماية متساوية، ما يدفعها إلى التشبث بقواها الذاتية.
هذا الخوف المتبادل يولّد حلقة مفرغة: كلما تشددت الدولة أمنيًا، ازدادت قناعة الأقليات بضرورة الاحتفاظ بالسلاح، وكلما تعززت قوة الميليشيات، ازداد ميل الدولة إلى المقاربة القمعية، بما يقوض أي مسار اندماج وطني مستدام.
العراق: الدولة التوافقية بلا احتكار للعنف
في العراق، أُعيد بناء الدولة بعد انهيارها على أساس توافقي هش، لم ينجح في ترسيخ مفهوم الدولة المحايدة. ورغم إدماج «الحشد الشعبي» قانونيًا في المنظومة الأمنية، بقيت الميليشيات محتفظة بهياكلها المستقلة، مدفوعة بمخاوف من فقدان النفوذ أو التعرض للإقصاء في حال استُعيد الاحتكار الصارم للقوة بيد الدولة.
في المقابل، لم تستطع الدولة العراقية طمأنة هذه القوى عبر مشروع وطني جامع أو إصلاح دستوري يعيد تعريف العلاقة بين المركز والمجتمع، ما أبقى منطق القوة حاضرًا بوصفه ضمانة سياسية وأمنية.
الإقليم الكردي: الازدواجية كبديل عن التسوية
تُجسّد تجربة إقليم كردستان نموذجًا آخر للحلقة نفسها. فغياب تسوية دستورية نهائية للعلاقة بين الإقليم والدولة الاتحادية، وانعدام الثقة المتبادل، دفعا الأحزاب الكردية إلى الاحتفاظ بقواها المسلحة المستقلة، ليس فقط في مواجهة بغداد، بل في مواجهة بعضها بعضًا.
هذا الواقع يعكس فشل الدولة المركزية في التحول إلى إطار ضامن للتعددية، وفشل القوى الأقلوية في المقابل في الانتقال من منطق الحماية المسلحة إلى منطق التنافس السياسي المدني.
سوريا: الأقليات، والجغرافيا، وتدويل الصراع
في سوريا، بلغ هذا النمط ذروته. فقد أدّى الانهيار الشامل للدولة خلال الحرب إلى نشوء كيانات مسلحة ذات طابع هوياتي، أبرزها «قسد»، التي استندت إلى دعم خارجي لتعويض غياب الثقة بالدولة المركزية. غير أن هذا الدعم الخارجي، وإن وفر حماية مؤقتة، عمّق مأزق الاندماج الوطني، وأبقى الكيان المسلح رهينة توازنات إقليمية ودولية متغيرة.
ارتباط أجزاء من هذه البنية بحزب العمال الكردستاني أدخل الصراع في بعد عابر للحدود، حيث تنظر تركيا إلى أي كيان مسلح كردي على حدودها باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ما يبرر تدخلها العسكري المستمر تحت ذريعة الدفاع الاستباقي.
لبنان: السلاح كبديل عن الدولة لا كنتاج للأقلية
في لبنان، لا يرتبط السلاح خارج الدولة بمظلومية دستورية مباشرة بقدر ما يرتبط بفشل الدولة نفسها في التحول إلى كيان سيادي مكتمل. «حزب الله» يبرر احتفاظه بسلاحه بمنطق الردع الخارجي، لكن هذا السلاح بات جزءًا من معادلة إقليمية تتجاوز الاعتبارات الوطنية، ويؤدي عمليًا إلى تعطيل نشوء دولة قادرة على احتكار القرارين الأمني والعسكري.
وفي المقابل، تعجز الدولة اللبنانية عن فرض سيادتها، ليس فقط بسبب اختلال موازين القوة، بل بسبب غياب عقد اجتماعي حديث يعيد تعريف مفهوم المواطنة خارج القيد الطائفي.
البعد الإقليمي: الأقليات كأدوات نفوذ
تتغذى هذه الحلقة المفرغة أيضًا من تدخلات إقليمية مباشرة. فكل دولة مجاورة تميل إلى دعم الأقلية المتحالفة معها داخل دولة أخرى، وتبرر وجودها العسكري أو تدخلها السياسي بدعوى حماية تلك الفئة أو منع تهديد أمني محتمل. هكذا تتحول الأقليات من فاعل داخلي يسعى للاعتراف والحقوق، إلى ورقة في صراع إقليمي أوسع، ما يعمّق هشاشة الدولة الوطنية ويطيل أمد النزاع.
نحو كسر الحلقة: الدولة بوصفها عقدًا أخلاقيًا وقانونيًا
تُظهر هذه التجارب أن لا مخرج من هذا الواقع إلا بإعادة تعريف الدولة نفسها. دولة تقوم على سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، والاعتراف الدستوري الكامل بالتعدد الديني والعرقي والمذهبي والفكري، دون تمييز أو هيمنة. دولة تستفيد من تراكم التجربة الإنسانية في بناء نظم سياسية عادلة، وتستند إلى القيم الروحية والأخلاقية العليا المشتركة بين الأديان، لا إلى توظيف الدين أو الهوية في الصراع على السلطة.
من دون هذا التحول الجذري، ستبقى الدولة والميليشيا أسيرتين لمنطق الخوف المتبادل، وستظل القوة والسلاح اللغة السائدة في الإقليم، مهما تغيّرت الأسماء والذرائع.
الخلاصة
غياب الديمقراطية والحقوق الأساسية يولّد خوف الأقليات، وخوف الأقليات يشرعن العنف، فيما تستخدم الدولة هذا العنف لتبرير القمع الداخلي والتدخل في الدول المجاورة. كسر هذه الحلقة لا يكون أمنيًا، بل بإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة وسيادة القانون.

