عكس اللقاء الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره السوري أحمد الشرع في الكرملين، وهو الثاني خلال أقل من ثلاثة أشهر، انتقال العلاقات بين موسكو ودمشق من مرحلة إعادة التواصل السياسي إلى مستوى أكثر تقدمًا يقوم على بناء الثقة، وتوسيع مجالات التعاون، وتجاوز إرث المرحلة السابقة. اللقاء جاء في توقيت إقليمي حساس، ما منح مخرجاته بعدًا يتجاوز الإطار الثنائي ليطال ملفات إقليمية معقدة.
خلافًا للقاء الأول الذي ركز على مراجعة شاملة لمرحلة حكم بشار الأسد والإرث التاريخي للعلاقات، اتسم اللقاء الثاني بقدر أكبر من الارتياح السياسي، وحرص واضح على الدفع بعجلة التعاون بوتيرة أسرع، سواء في المجال الاقتصادي أو الأمني أو الإقليمي.
إشارات سياسية متبادلة ودعم روسي للقيادة الجديدة
استقبل بوتين الرئيس الشرع بحفاوة رسمية، وأشاد علنًا بما وصفه “النجاحات المتحققة” في مسار إعادة بناء الدولة السورية الجديدة، خصوصًا فيما يتعلق بتوحيد البلاد وبسط سلطة الحكومة على مختلف المناطق. واعتبر أن التقدم الذي أحرزته القوات الحكومية في شمال شرقي سوريا يمثل خطوة حاسمة في مسار استعادة وحدة الأراضي.
في المقابل، ثمّن الشرع الدور الروسي في الحفاظ على الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية، مؤكدًا أن موسكو لعبت دورًا محوريًا في دعم مسار الاستقرار ومنع الانزلاق نحو الفوضى، ومشيرًا إلى تطلع دمشق للانتقال من مرحلة الدمار الواسع إلى السلام وإعادة الإعمار.
وفد روسي واسع… وأجندة متعددة المسارات
عكست تركيبة الوفد الروسي المشارك في المحادثات مستوى الاهتمام الذي يوليه الكرملين للعلاقة مع سوريا الجديدة. فقد ضم الوفد وزراء الدفاع والخارجية والمالية والإسكان، ونائب رئيس الوزراء، إلى جانب كبار مساعدي الرئاسة ومسؤولين عسكريين وأمنيين رفيعي المستوى، من بينهم رئيس الاستخبارات العسكرية الروسية.
هذا الحضور الواسع كشف أن النقاشات لم تقتصر على السياسة، بل شملت قضايا الدفاع، والاقتصاد، والطاقة، وإعادة الإعمار، والتعاون العسكري، فضلًا عن الملفات الإقليمية الحساسة.
ورافق الشرع وفد سوري ضم وزيري الخارجية والدفاع، إلى جانب الأمين العام للرئاسة، في إشارة إلى الطابع الشامل للمباحثات.
الاقتصاد وإعادة الإعمار في صلب الحوار
أولى بوتين اهتمامًا خاصًا بالشق الاقتصادي، مشيرًا إلى تحقيق نمو اقتصادي يتجاوز أربعة في المائة في العلاقات الثنائية، معتبرًا أن هذا الرقم، رغم تواضعه، يعكس مسارًا إيجابيًا ينبغي تعزيزه. وأكد أن هذا التقدم يعود بدرجة كبيرة إلى الجهود الشخصية التي بذلها الرئيس الشرع خلال العام الماضي.
كما أبدى استعداد المؤسسات الاقتصادية الروسية، ولا سيما العاملة في قطاع البناء، للمشاركة الفاعلة في مشاريع إعادة الإعمار، وإعادة تأهيل البنى التحتية والمؤسسات السورية.
من جهته، ذكّر الشرع بأن مرور عام على أول زيارة رسمية لوفد روسي إلى دمشق بعد “العهد الجديد” شكّل نقطة تحول أساسية في إطلاق مسار الحوارات الثنائية، وفتح الباب أمام إعادة بناء العلاقات على أسس مختلفة.
ملفات مؤجلة ونقاشات خلف الأبواب المغلقة
رغم الطابع الإيجابي للقاء، تعمّد الطرفان عدم الخوض علنًا في ملفات حساسة قد تكون موضع تباين، مثل مستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا، ولا سيما قاعدتي طرطوس وحميميم. غير أن مؤشرات متعددة سبقت اللقاء وأعقبته أكدت أن هذا الملف كان حاضرًا بقوة في النقاشات المغلقة، وفق تقرير لصحيفة “الشرق الأوسط”.
وتشير التقديرات إلى أن موسكو ودمشق تدرسان صيغة جديدة للوجود العسكري الروسي، تقوم على الإبقاء على قاعدة طرطوس لما تمثله من أهمية لوجيستية واستراتيجية في البحر المتوسط وخطوط الإمداد نحو أفريقيا، مقابل إعادة تنظيم الوجود في قاعدة حميميم ضمن إطار تعاون مشترك يركز على تأهيل الجيش السوري.
كذلك لم يُطرح علنًا ملف الساحل السوري، رغم ما يحيط به من تعقيدات تتعلق باتهامات موجهة إلى شخصيات مرتبطة بالنظام السابق موجودة في روسيا بمحاولة زعزعة الاستقرار. إلا أن المعطيات تشير إلى أن دمشق طرحت خلال النقاشات المغلقة مسألة تسليم بعض المتورطين، بالتوازي مع بحث قوائم أخرى لشخصيات يمكن إدماجها ضمن مسارات مصالحة، وهو ما كانت موسكو تدفع باتجاهه سابقًا.
شمال شرقي سوريا… وتداعيات الانسحاب الروسي
حضر وضع شمال شرقي سوريا في المداولات، خصوصًا بعد الانسحاب الروسي من مطار القامشلي قبل أيام من الزيارة، والذي جاء وفق تقارير استجابة لطلب سوري. هذا التطور عكس رغبة دمشق في إعادة ترتيب المشهد الأمني في المنطقة، ضمن تفاهمات جديدة مع موسكو.
الجنوب السوري واحتمالات الوساطة مع إسرائيل
برز الملف الجنوبي كأحد أكثر الملفات حساسية في اللقاء. إذ تشير المعطيات إلى اهتمام سوري متزايد بأن تلعب موسكو دورًا داعمًا في المفاوضات غير المباشرة الجارية مع إسرائيل. ويشمل ذلك احتمال عودة الدور الروسي كضامن أمني في الجنوب، سواء عبر تسيير دوريات أو كبح التوغلات الإسرائيلية، على غرار الأدوار التي لعبتها موسكو في مراحل سابقة.
غير أن هذا الطرح يصطدم بتحفظ إسرائيلي واضح إزاء إعادة تفعيل الدور الروسي في الجنوب السوري، ما يجعل هذا المسار مرهونًا بتوازنات إقليمية ودولية أكثر تعقيدًا.
الخلاصة
يعكس لقاء بوتين والشرع انتقال العلاقات الروسية – السورية إلى مرحلة إعادة هندسة شاملة، تقوم على التعاون الاقتصادي والأمني، مع إبقاء الملفات الخلافية قيد المعالجة الهادئة، وفتح الباب أمام دور روسي محتمل في معادلات إقليمية أكثر حساسية.

