تتحرك تركيا على خط التهدئة الإقليمية عبر إعلان استعدادها للقيام بدور وساطة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد غير مسبوق في حدة التوتر بين الطرفين.
هذا التوجه يأتي متزامنًا مع زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الإيراني إلى أنقرة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق الأزمة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة ذات تداعيات واسعة على المنطقة.
أنقرة، التي تحاول منذ سنوات تثبيت موقعها كفاعل دبلوماسي إقليمي، ترى أن لحظة التصعيد الراهنة تتطلب تدخلًا سياسيًا يفتح قنوات الحوار، لا سيما في ظل الخطاب المتشدد الصادر عن واشنطن، والتحركات العسكرية الأميركية في مياه الشرق الأوسط.
موقف تركي ثابت: لا للحرب… نعم للحوار
تؤكد القيادة الدبلوماسية التركية أن الحلول العسكرية ضد إيران لن تؤدي إلا إلى تعقيد المشهد الإقليمي، محذّرة من المخاطر الأمنية والاقتصادية والسياسية التي قد تطال المنطقة والعالم. وتستند أنقرة في موقفها إلى قناعة مفادها أن العودة إلى طاولة المفاوضات، خصوصًا في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، تمثل المدخل الأكثر واقعية لخفض التوتر.
في هذا السياق، تطرح تركيا نفسها طرفًا قادرًا على تسهيل الحوار، مستفيدة من قنوات التواصل المفتوحة مع كل من طهران وواشنطن، ومن موقعها الجغرافي والسياسي الذي يضعها في قلب معادلات الشرق الأوسط.
الملف النووي في صدارة الأولويات
تعتبر أنقرة أن استئناف المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني يشكل أولوية قصوى، وترى أن الفصل التدريجي للملفات الخلافية قد يتيح فرصًا أفضل لتحقيق اختراق سياسي. فبدل مقاربة شاملة تصطدم بتراكم الخلافات، تفضّل تركيا معالجة النقاط الأكثر إلحاحًا، وفي مقدمتها الملف النووي، باعتباره مفتاحًا لخفض منسوب التوتر العام.
حسابات الأمن القومي: الحدود تحت المجهر
بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي، لا تغفل أنقرة السيناريوهات الأمنية المحتملة. فالتصعيد العسكري أو أي اضطراب داخلي واسع في إيران قد ينعكس مباشرة على الأمن التركي، خصوصًا على طول الحدود المشتركة التي تمتد لمئات الكيلومترات.
لهذا، تعمل المؤسسات الأمنية التركية على مراجعة خطط الطوارئ، بما يشمل تعزيز الانتشار العسكري، وتوسيع منظومات المراقبة التقنية، وتكثيف الاستطلاع الجوي بالطائرات المسيّرة. ورغم عدم تسجيل مؤشرات على موجات نزوح واسعة حتى الآن، إلا أن التجارب الإقليمية السابقة تدفع أنقرة إلى اعتماد سياسة الاستباق بدل الانتظار.
بنية أمنية قائمة… لكنها قيد التوسيع
شهدت الحدود التركية – الإيرانية خلال السنوات الأخيرة استثمارات كبيرة في البنية الأمنية، شملت جدرانًا خرسانية، وخنادق، وأبراج مراقبة متطورة. ومع ذلك، ترى السلطات أن هذه الإجراءات، على أهميتها، قد لا تكون كافية في حال وقوع سيناريوهات انهيار أو فوضى واسعة النطاق، ما يستدعي تعزيزها بإجراءات إضافية أكثر مرونة وفعالية.
قراءة في التحرك التركي
يعكس العرض التركي للوساطة مقاربة مزدوجة تقوم على السعي لخفض التصعيد الخارجي، مع التحوط الصارم لأي ارتدادات أمنية داخلية. فأنقرة لا تريد أن تكون ساحة لتداعيات صراع إقليمي كبير، ولا أن تفقد في الوقت نفسه دورها كجسر سياسي بين خصوم يصعب جمعهم على طاولة واحدة.
في هذا الإطار، تحاول تركيا تثبيت معادلة دقيقة: دبلوماسية نشطة بلا انحياز، واستعداد أمني بلا تهويل، في منطقة تتغير توازناتها بسرعة.
الخلاصة
تسعى تركيا إلى لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران لتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، بالتوازي مع تعزيز استعداداتها الأمنية تحسبًا لأي تصعيد. مقاربة أنقرة تعكس محاولة للجمع بين الواقعية السياسية وحماية الأمن القومي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

