دخل مسار السلام المستجد بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني مرحلة دقيقة، وسط اتهامات متصاعدة من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM) بأن أنقرة تُقدّم حساباتها العسكرية والسياسية في سوريا على أي تقدم فعلي داخل تركيا. هذا الترتيب في الأولويات، وفق الحزب، أنتج شرخًا متزايدًا في الثقة يهدد جوهر العملية برمتها.
انتقادات مباشرة لغياب الخطوات العملية
رئيس الحزب المشارك تونجر باقرهان قال إن الحكومة لم تتجاوز حدود التصريحات العامة، معتبرًا أن إنشاء لجنة برلمانية متعددة الأحزاب كان الإجراء الوحيد منذ إطلاق المبادرة، دون أن يتبعه أي تحرك ملموس يلبي توقعات الفاعلين المعنيين. وأشار إلى أن المسار مستمر شكليًا، لكنه يعاني قطيعة حقيقية وأزمة ثقة متفاقمة.
خلفية المسار: من النداء إلى التفكك
المبادرة الحالية انطلقت عقب دعوة زعيم الحركة القومية دولت بهتشلي في خريف عام 2024 لعبد الله أوجلان، المعتقل منذ سنوات، إلى الدعوة لوقف العنف. وفي فبراير التالي أصدر أوجلان النداء، لتعلن قيادة حزب العمال الكردستاني لاحقًا نيتها حل التنظيم.
في أغسطس، شكّلت أنقرة لجنة برلمانية عابرة للأحزاب لوضع الإطار القانوني والسياسي لدمج الحزب ومقاتليه في الحياة العامة. غير أن اللجنة، حتى الآن، لم تُنتج مقترحات تُقنع أوجلان أو حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب أو الشارع الكردي.
سوريا في قلب الجدل
بحسب باقرهان، استنزفت الحكومة جلّ طاقتها في الشمال السوري، حيث كثّفت عملياتها ووسّعت هامش التوتر حول المناطق ذات الغالبية الكردية، ما انعكس سلبًا على فرص الحوار داخل البلاد.
هذه التصريحات تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعد أن فقدت قوات سوريا الديمقراطية، الشريك المحلي السابق للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، معظم مناطق سيطرتها في شمال شرق سوريا لصالح قوات الحكومة السورية في تطورات متسارعة هذا الشهر.
أنقرة ترى في قوات سوريا الديمقراطية امتدادًا لحزب العمال الكردستاني عبر وحدات حماية الشعب، وتبرر عملياتها العابرة للحدود باعتبارات أمنية. غير أن الحزب الكردي يعتبر أن هذا التركيز الخارجي ينسف بيئة الثقة اللازمة لإنجاح مبادرة “تركيا بلا إرهاب”.
تحذير من الانزلاق وفقدان الزخم
باقرهان حذّر من أن إعطاء الأولوية لسوريا سمح بتسرّب العنف عبر الحدود إلى المسار الداخلي، ما عمّق شكوك الرأي العام. وذهب إلى حد وصف الهجمات الأخيرة قرب حلب والضغط المتزايد على المناطق الكردية السورية بأنها «تخريب» مباشر لجهود السلام.
ودعا الحكومة إلى الانتقال من الخطاب السياسي إلى إصلاحات قانونية وديمقراطية واضحة، تشمل تواصلًا منتظمًا مع أوجلان، مؤكدًا أن ضيق الوقت لا يسمح بمزيد من التسويف.
مواقف رسمية متشددة ورسائل متناقضة
في موازاة ذلك، دعمت أنقرة خطوات السلطات السورية الجديدة لتوسيع سيطرتها على مناطق كانت خاضعة لإدارة كردية، وجددت مطالبتها بحل قوات سوريا الديمقراطية وإبعاد مقاتليها عن الحدود.
وعلى وقع احتجاجات مؤيدة للأكراد داخل تركيا بسبب تطورات سوريا، شدّد بهتشلي لهجته محذرًا من أن التوترات الإقليمية قد تُطيح بالمسار السلمي، لا سيما بعد حادثة إنزال العلم التركي خلال احتجاجات قرب الحدود. رسالته كانت الأوضح حتى الآن: الصبر قد ينفد، واليد الممدودة قد تتحول إلى قبضة.
تراشق سياسي يزيد الغموض
التوتر بلغ ذروته مع هجوم متبادل في الداخل السياسي. المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية اتهم قادة حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب بتجاوز الخطوط الحمراء عبر انتقاد الرئيس رجب طيب أردوغان وبهتشلي بسبب سياسة سوريا، واصفًا تلك الانتقادات بغير الأخلاقية.
في المقابل، ردت المتحدثة باسم حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب آيشغول دوغان باتهام الحكومة بتفضيل خطاب عدائي على معالجة أزمة إنسانية متفاقمة في مدينة كوباني السورية، حيث تحدثت عن حصار ونزوح واسع ومعاناة إنسانية حادة، مؤكدة أن الإدانة السهلة والخطوط الحمراء لا تنسجم مع منطق السلام.
تقارير محلية أفادت بأن كوباني استقبلت أعدادًا كبيرة من العائلات النازحة خلال الأسابيع الأخيرة، ما فاقم الضغط على موارد شحيحة أصلًا.
شبح الماضي يلوح مجددًا
هذا السجال المتصاعد يعيد إلى الأذهان مصير محاولة السلام السابقة التي أُطلقت في 2013 قبل أن تنهار بعد عامين، لتدخل البلاد في دورة جديدة من العنف بين حزب العمال الكردستاني والقوات المسلحة التركية. اليوم، ومع احتدام الصراع الإقليمي، يظل السؤال مفتوحًا حول قدرة المسار الحالي على الصمود.
الخلاصة
اتهامات حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب بترجيح كفة سوريا على حساب السلام الداخلي تكشف هشاشة مسار المصالحة، فيما يهدد التوتر الإقليمي والتصلب السياسي بتقويض الثقة قبل بلوغ أي نتائج ملموسة.

