وسّعت السلطات التركية خلال الأسبوعين الماضيين نطاق حملتها الأمنية بحق أشخاص تتهمهم بالارتباط بحركة كولن، حيث أُوقف 151 شخصًا في عمليات متزامنة شملت 46 ولاية، من بينها أنقرة، إسطنبول، إزمير وأنطاليا.
وأعلن وزير الداخلية علي يرلي كايا أن 82 من الموقوفين جرى اعتقالهم رسميًا، في حين أُفرج عن 54 آخرين بشروط رقابة قضائية، بينما لا تزال الإجراءات القانونية مستمرة بحق بقية المشتبه فيهم.
ورغم اتساع رقعة العمليات وعدد الموقوفين، لم تُحدّد وزارة الداخلية توقيت المداهمات بدقة، ولا الإطار الزمني الذي نُفّذت خلاله هذه الاعتقالات.
طبيعة الاتهامات: شبكات سرية داخل مؤسسات الدولة
تقول السلطات إن الموقوفين متهمون بالانتماء إلى ما تصفه بـ”شبكات سرية” مرتبطة بحركة الخدمة، يُشتبه في نشاطها داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك القضاء والمؤسسة العسكرية. وتستند هذه الاتهامات إلى مزاعم تتعلق بأساليب تواصل غير مباشرة، أبرزها استخدام الهواتف العمومية، إضافة إلى تطبيق “بايلوك” المشفّر.
وتؤكد النيابات العامة أن هذه الشبكات اعتمدت على وسائل اتصال تهدف إلى تفادي الرقابة الأمنية، في إطار ما تعتبره استمرارًا لبنية تنظيمية موازية داخل الدولة.
تحقيقات الهواتف العمومية… منطق الاشتباه بدل الأدلة
تُعدّ ما يُعرف بـ”تحقيقات الهواتف العمومية” من أكثر ملفات الملاحقة إثارة للجدل، إذ تعتمد على سجلات المكالمات فقط دون امتلاك محتوى الاتصالات. ووفق فرضية الادعاء، فإن استخدام شخص واحد لهاتف عمومي للاتصال بعدة أرقام متتالية يُعدّ مؤشرًا على وجود شبكة تنظيمية، بحيث يُفترض أن الأرقام التي تسبق أو تلي المكالمة الأساسية تعود بدورها لأشخاص مرتبطين بالحركة.
هذا النمط من التحقيقات يقوم على ترتيب المكالمات وتتابعها الزمني، لا على مضمونها، ما يجعله محل انتقاد حقوقي وقانوني واسع.
“بايلوك” بين التصنيف الأمني والموقف القضائي الأوروبي
منذ محاولة الانقلاب في يوليو 2016، اعتبرت السلطات التركية تطبيق “بايلوك” أداة اتصال سرية حصرية لأنصار حركة كولن، رغم أن التطبيق كان متاحًا بشكل علني على متاجر “آبل” و”غوغل”. وبُنيت آلاف القضايا الجنائية على مجرد الادعاء باستخدام التطبيق، دون إثبات ارتباط الرسائل بأي نشاط انقلابي.
في المقابل، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في العديد من القضايا أحكامًا أكدت فيها أن استخدام “بايلوك” بحد ذاته لا يُشكّل جريمة، ولا يكفي لتجريم الأفراد. ورغم ذلك، ما تزال الاعتقالات والمحاكمات مستمرة داخل تركيا على الأساس ذاته.
الخلفية السياسية: من قضايا الفساد إلى القطيعة الكاملة
تعود جذور الصراع بين الحكومة التركية وحركة كولن إلى ديسمبر 2013، حين طالت تحقيقات فساد شخصيات بارزة في السلطة، من بينها مقربون من الرئيس رجب طيب أردوغان وأفراد من عائلته. واعتبر أردوغان تلك التحقيقات محاولة انقلاب قضائي، وبدأ منذ ذلك الحين حملة واسعة لاستهداف الحركة.
وفي مايو 2016، جرى تصنيف حركة كولن كـ”منظمة إرهابية”، قبل أن تتسع الحملة بشكل غير مسبوق عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو من العام نفسه، والتي اتهمت الحكومة كولن بتدبيرها.
أرقام تكشف اتساع الملاحقات بعد نحو عقد
تشير أحدث بيانات وزارة العدل إلى أن أكثر من 126 ألف شخص أُدينوا منذ عام 2016 بتهم تتعلق بالانتماء إلى حركة الخدمة، ولا يزال 11,085 منهم خلف القضبان. كما تستمر الإجراءات القضائية بحق أكثر من 24 ألف شخص، في حين يبقى نحو 58 ألفًا تحت التحقيق الفعلي، بعد قرابة عشر سنوات على بدء الحملة.
إلى جانب ذلك، اضطر آلاف آخرون إلى مغادرة البلاد هربًا من الاعتقال أو الملاحقة، ما أفرز موجة لجوء واسعة شملت أكاديميين، قضاة، عسكريين وصحفيين سابقين.
سياق مستمر لا يعرف التراجع
تعكس الحملة الأخيرة استمرار النهج الأمني ذاته دون مؤشرات على التهدئة أو المراجعة، رغم الانتقادات الحقوقية الدولية والأحكام القضائية الأوروبية. ومع كل موجة اعتقالات جديدة، تتجدد الأسئلة حول مستقبل هذه القضايا، وحدود الاعتماد على الاشتباه التقني بدل الأدلة الجنائية المباشرة.
الخلاصة
تؤكد الاعتقالات الأخيرة أن ملف حركة الخدمة ما يزال حاضرًا بقوة في السياسة والأمن التركيين، مع استمرار الملاحقات على أسس قانونية مثيرة للجدل، رغم مرور سنوات على محاولة الانقلاب وانتقادات قضائية دولية متراكمة.

