تتداول الأوساط الإعلامية القريبة من دوائر الحكم في تركيا معطيات عن إعداد خطة واسعة النطاق تهدف إلى تقليص التركز الصناعي المفرط في منطقة مرمرة، ولا سيما في إسطنبول ومحيطها، في ظل تصاعد التحذيرات من زلزال محتمل قد تكون كلفته الاقتصادية والصناعية بالغة.
الخطة، التي يُقال إنها تُدار تحت إشراف وزارة الصناعة والتكنولوجيا، وفق تقرير لصحيفة “تركيا”، لا تُقدَّم بوصفها إجراءً وقائيًا فحسب، بل كتحول استراتيجي طويل الأمد لإعادة توزيع الصناعة على الجغرافيا التركية بصورة أكثر توازنًا.
مسح شامل للمخاطر في قلب الصناعة التركية
في هذا الإطار، تشير المعلومات المتداولة إلى إطلاق دراسة واسعة لتقييم المخاطر الزلزالية التي تهدد المناطق الصناعية المنظمة والمنشآت الحيوية في ثماني ولايات تُعد العمود الفقري للصناعة التركية.
الدراسة تشمل عشرات المناطق الصناعية المنظمة، إضافة إلى منشآت إنتاج كبرى وبنى تحتية حيوية مرتبطة بالنقل والطاقة، باعتبارها عناصر لا يمكن تعويضها سريعًا في حال تعرضها لدمار واسع.
الولايات المشمولة في هذا التقييم تقع جميعها ضمن نطاق مرمرة وما يجاورها، وهي مناطق تُصنّف زلزاليًا ضمن الدرجات الأعلى خطورة، ما يجعل استمرار التوسع الصناعي فيها موضع تساؤل متزايد.
دليل جديد لاختيار مواقع الصناعة
بحسب ما يُتداول، لن تقتصر نتائج هذه الدراسة على التشخيص، بل ستُستخدم كأساس لإعداد دليل توجيهي جديد يحدد المعايير الواجب اعتمادها عند اختيار مواقع الصناعات مستقبلًا.
هذا الدليل يُفترض أن يعيد صياغة فلسفة التخطيط الصناعي في تركيا، من منطق التركز حول الموانئ والأسواق الكبرى، إلى منطق الأمان الجيولوجي والاستدامة بعيدة المدى.
ويُقال إن هذا العمل يتم بالتعاون مع مؤسسات علمية مختصة برصد الزلازل ودراسة المخاطر الطبيعية، ما يمنحه بعدًا تقنيًا يتجاوز الطابع السياسي أو الإعلامي.
نحو “هجرة صناعية” إلى الداخل والجنوب
المعطيات تشير إلى أن جوهر الخطة يتمثل في نقل جزء معتبر من النشاط الصناعي من مرمرة إلى ولايات تُصنّف زلزاليًا ضمن الفئات الأقل خطورة، مع التركيز على أقاليم وسط الأناضول وشرق المتوسط.
الولايات المرشحة لاستقبال هذا التحول الصناعي تمتد من شمال الأناضول إلى عمقه الأوسط وجنوبه، وتشمل مدنًا ذات كثافة صناعية محدودة حاليًا لكنها تتمتع بهوامش توسع جغرافي وبمخاطر زلزالية أقل مقارنة بالساحل الغربي.
اختيار هذه المدن، وفق ما يُنقل، لم يكن عشوائيًا، بل استند إلى خرائط المخاطر الزلزالية الوطنية، التي تضع بعض الولايات الصناعية الحالية في قلب خطوط الصدع النشطة.
مفارقة التركز الصناعي فوق خطوط الصدع
أحد أبرز الدوافع المعلنة لهذا التوجه يتمثل في المفارقة الصارخة بين حجم الصناعة وخطورة الموقع.
فبعض الولايات التي تُعد من أكثر المناطق الصناعية كثافة في البلاد تقع مباشرة فوق خطوط صدع نشطة، وتحتضن العدد الأكبر من المناطق الصناعية المنظمة، إضافة إلى مقار عشرات من كبرى الشركات الصناعية.
هذا الواقع يضع الاقتصاد التركي أمام مخاطرة مركبة، لا تتعلق فقط بالخسائر البشرية المحتملة، بل بإمكانية شلل سلاسل الإنتاج والتصدير في حال وقوع زلزال واسع النطاق.
أبعاد غير معلنة: توزيع السكان وتقليص الضغط على إسطنبول
إلى جانب البعد الزلزالي، تحمل الخطة أبعادًا ديمغرافية واقتصادية أوسع.
إعادة توطين الصناعة في ولايات الداخل يُنظر إليها كأداة غير مباشرة لإعادة توزيع السكان، والحد من الهجرة المتواصلة نحو إسطنبول ومحيطها، التي باتت تعاني من ضغط سكاني وبنيوي متفاقم.
كما يُفهم من السياق أن الحكومة تسعى إلى تحويل بعض مدن الأناضول إلى مراكز إنتاج جديدة، بما يعزز فرص العمل المحلية ويقلل الفجوة التنموية بين الغرب والداخل.
بين التخطيط والطموح
رغم الطابع الطموح للخطة، يبقى تنفيذها العملي مرهونًا بعوامل معقدة، تشمل كلفة نقل الاستثمارات، ومدى استعداد القطاع الخاص، والبنية التحتية المتاحة في المدن المستقبِلة، فضلًا عن الحوافز التي ستُقدَّم لتشجيع هذا التحول.
ومع ذلك، تعكس هذه التوجهات إدراكًا رسميًا متأخرًا لحجم المخاطر التي يفرضها التركز الصناعي في مناطق عالية الخطورة، ومحاولة لإعادة رسم الخريطة الصناعية التركية قبل أن يفرض الزلزال منطقه القسري.
خلاصة
الخطة المتداولة لإعادة توزيع الصناعة خارج إسطنبول تمثل تحولًا استراتيجيًا يجمع بين الوقاية من الكوارث وإعادة هندسة التنمية الاقتصادية. نجاحها سيعتمد على قدرتها على الانتقال من التشخيص العلمي إلى التنفيذ العملي دون إرباك الاقتصاد أو تفريغ المدن الصناعية الحالية من دورها الحيوي.

